الاستيطان وتبادل الأراضي أم تبادل السكان

تابعنا على:   11:50 2014-01-29

ا. علاء محمد منصور

يعتبر الاستيطان ظاهرة من الظواهر الاجتماعية القديمة مارستها شعوب مختلفة عبر التاريخ, حيث عرفت الشعوب والحضارات القديمة أنواعاً مختلفة من الاستيطان والهجرات, وتقوم هذه "الظاهرة أساساً على وجود أماكن جذب تهاجر اليها جماعات بشرية لتتعايش مع المجتمعات الموجودة دون اللجوء للعنف, أو عبر التوسع الاستيطاني الذي تم بواسطة محاولات السكان الأصليين تحسين ظروفهم المعيشية واصلاح أراضي جديدة لتخفيف الضغط السكاني الذي تتعرض له المنطقة" (العيلة وشاهين, 2010, 910), في حين جاءت الظاهرة الاستيطانية الحديثة في القرن السادس عشر مع بدايات نمو مرحلة الرأسمالية المبكرة, وقيام الدول الاستعمارية الحديثة بغزو بلدان أخرى جديدة واستعمارها واستيطان أراضيها لتحقيق طموحاتها الرأسمالية, فالاستيطان هو "اتخاذ بلد ما موطناً أو اعمار الأماكن المهجورة, ويطلق مصطلح استيطان على ظاهرة محاولة القضاء على وطن ودخول عنصر أجنبي بهدف الاستيلاء على قسم من الأرض كما في فلسطين أو جنوب أفريقيا" (الكيالي,1986, 182).

أما الاستعمار الاستيطاني الإحلالي فهو "انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخر، حيث تقوم الكتلة الوافدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور كما حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطين" (المسيري, 1999, 37), فكلمة إحلال جاءت من فعل أحلَّ، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يُطلَق على نوع محدد من الاستعمار والذي يقوم فيه عادةً المُستعمر الوافد الأبيض بمحاولة التخلص من أصحاب الأرض الأصليين إما عن طريق الطرد أو عن طريق الإبادة ليحل هو محلهم (المسيري, 1999, 50).

وبناء على ما تقدم نجد أن مفهوم الاستيطان يقوم على مرتكزين أساسيين هما طرد السكان الأصليين والاستيلاء على الأرض, ومن ثم احلال سكان دولة الاحتلال مكانهم وما يرافق ذك من مصادرة للأراضي العامة والخاصة دون مراعاة أي اعتبارات انسانية أو سياسية.

والهدف الأساسي للحركة الصهيونية كان ومازال جلب يهود العالم من شتى بقاع الأرض واستيطان الأرض الفلسطينية عبر إحداث انقلاب ديمغرافي من خلال زيادة أعداد اليهود المهاجرين لفلسطين على أعداد المواطنين العرب أصحاب البلاد الشرعيين, وقد "بذل زعماء الحركة الصهيونية جهوداً محمومة من أجل تهجير أكبر عدد مكن من اليهود الى فلسطين على اعتبار ان استمرار تقدم الهجرة اليهودية ليس فقط المهمة المركزية للدولة اليهودية بل هو التبرير الجوهري لتأسيسها ووجودها" (أبو عرفة,1981, 40), وقد نجحت الحركة الصهيونية بتحقيق هذا الهدف خاصة بعد صدور قرار التقسيم رقم (181) بتاريخ 29 تشربن الثاني1947م والذي "منح الدولة اليهودية 56.47% من الأراضي الفلسطينية" (المسحال, 1994, 159) , وليس هذا فحسب بل استولت اسرائيل بعد حرب 1948م عشية استقلالها على 22% من مساحة فلسطين زيادة عما منحها قرار التقسيم, وبعد حرب 1956م حاولت إسرائيل مد حدودها فاستولت على أراضي سيناء حتى شرم الشيخ, إلا أن ضغوط القوى الدولية أجبرتها على الانسحاب, وبعد شنها حرب عام 1967م استولت على أراضي عربية شاسعة من كل الدول العربية (من كل الجهات) المحيطة بها, وبعد صدور قرار 242 لم تلتزم بتنفيذه, بل اعتبر نتنياهو أن "القرار يعترف بحق إسرائيل بحدود آمنة ولم يتوقع منها العودة الى الحدود التي بدأت الحرب منها, وأن الحدود الآمنة لإسرائيل هي شرط ضروري لإحلال السلام في الشرق الأوسط, وأن قطاعاً أرضياً بعرض 16 كم الذي كانت إسرائيل مضغوطة داخله قبل عام 1967م لا يمكن اعتباره حدود آمنة" (نتنياهو, 1999, 351). وتُعتبر قضية الحدود من القضايا الرئيسة لاستمرار الصراع لاسيما وأن جوهر المشروع الصهيوني في فلسطين يقوم على الاستيطان والاستيلاء على الأرض, ومن ثم ضرورة الاحتفاظ بها لمتطلبات الأمن الإسرائيلي.

ولا يبتعد حزب العمل عن موقف نتنياهو من قضية الحدود, فاسحق رابين زعيم الحزب ورئيس وزراء إسرائيل السابق كان قد اتخذ موقفاً مماثلاً, حيث يقول "يجب على زعماء الدول العربية أن يدركوا بأن من حق إسرائيل الحصول على حدود يمكن الدفاع عنها, ولهذا حتى في إطار معاهدات السلام لا نستطيع الانسحاب الى خطوط الرابع من حزيران التي لا يمكن الدفاع عنها وتشجيع العدوان علينا مثلما تأكد في السابق" (رابين, 1993, 122).

لقد كان الهدف الإسرائيلي واضحاً من برنامج الاستيطان المكثف في تلك الفترة وهو ضمان سيطرة إسرائيلية دائمة على الضفة الغربية, وإحباط أية محاولة مستقبلية للتنازل عن أراضي للكيان لفلسطيني.

وجاءت أوسلو لترسخ مفهوم إسرائيل للحدود الآمنة من خلال عدم التنازل عن الأرض والحدود والمعابر لسيطرة السلطة الفلسطينية, وحتى عندما جاء شارون بخطة فك الارتباط للتخلص من عبء خارطة الطريق وإخلاءه المستوطنات من قطاع عزة, وضع جل اهتمامه للمحافظة على المرتكز الأمني الخاص بالسيطرة على الحدود البرية والبحرية والجوية لقطاع غزة.

ويتحدث البروفيسور الإسرائيلي (أرنون سوفر) المنظر للخطر الديمغرافي الذي يمثله العرب على إسرائيل, وهو من أصحاب فكرة الجدار العازل عن حدود الخط الأخضر بقوله "لا يمكن إعادة الجدار الى الخط الأخضر, وهل الخط الأخضر حدود يجب أخذها بالحسبان؟ الخط الأخضر هو نقطة زمنية لوقف إطلاق النار وليس حدوداً عالمية, وليست خطاً عالمياً مثل حدود مصر أو سوريا, توقف جيشان في حينها وقررا أن هذه حدود بشكل مؤقت" (خطيب, 2004).

وحول الواقع الجغرافي الخطير الذي تعاني منه إسرائيل والذي يجعلها تولي أهمية كبرى لأراضي الضفة الغربية وجبالها وعدم التنازل الإسرائيلي عنها, حتى في ظل عصر الصواريخ التي أفقدت القيمة الاستراتيجية للاحتفاظ بالأرض, يتحدث نتنياهو بأن الصواريخ تلحق خسائر وأضرار ولكنها لا تحتل الأرض ولا تحقق النصر بالمعركة, وأن عصر الصواريخ تزيد فيه أهمية الأرض ولا تنقص "الأمر الذي يزيد من أهمية السيطرة على منطقة تمنح الجيش الإسرائيلي قدرة الامتصاص لهجوم أرضي يشن خلال قصف صواريخ بعيدة المدى, وتبعد الصواريخ قصيرة المدى عن أهدافها, وأن إسرائيل يجب أن تحتفظ بالعمق الاستراتيجي الحالي الذي تمثله مناطق الضفة الغربية" (نتنياهو, 1999, 335).

ويوجد في الضفة الغربية أكثر من 140 مستوطنة, وهي ليست متجمعة في منطقة واحدة , مما يجعل رسم حدود تشمل تلك المستوطنات معقد جداً سوى جعل الضفة الغربية كيان ممزق الى عدة مناطق يعزلها الجدار من ناحية ومن لم يعزله الجدار تعزله حدود المستوطنة, حيث تعتبر مساحة المناطق المحيطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية أكبر بعدة أضعاف من مساحة المستوطنات ذاتها, مع أن "مساحة البناء اليهودي في المستوطنات القائمة في الأراضي الفلسطينية تبلغ نحو 3% فقط, الا أن هذه المستوطنات التي يعيش فيها قرابة 250 ألف يهودي يشكلون حوالي 9.5% من مجموع سكان الضفة الغربية تسيطر على حوالي 42% من مساحة الضفة باقي السكان ال90.5% يوجد تحت تصرفهم الآن أقل من 60% من مساحة الضفة" (أوفير, 2008).

وبلغ عدد المستوطنين بالضفة الغربية 536,932 مستوطنًا في نهاية عام 2011م، حيث تضاعف عدد المستوطنين في الضفة أكثر من 40 مرة خلال الفترة من 1972 – 2011. وبلغ عدد المستوطنات بالضفة الغربية في نهاية عام 2011م (144) مستوطنة، كان معظمها في القدس بواقع 26 مستوطنة، ثم محافظة رام الله والبيرة 24 مستوطنة, وأن معظم المستوطنين يتركزون في محافظة القدس بنسبة تبلغ حوالي 50% من مجموع المستوطنين في الضفة, أي بواقع 267,643 مستوطنًا، ويليها محافظة رام الله والبيرة بواقع 100,501 مستوطن، ثم محافظة بيت لحم 59,414 مستوطن، وفي محافظة سلفيت ن834,946 مستوطن، في حين يتواجد في محافظة طوباس 1,489 مستوطنًاً, فهي أقل المحافظات من حيث عدد المستوطنين (فلسطين أون لاين, 2012).

تلك المعطيات أملتها السياسة الأمنية الإسرائيلية بناءً على متطلبات وحاجات الأمن والاستيطان الإسرائيلي, وهي تلك الوقائع التي فرضتها إسرائيل على الأرض, والتي وقفت عائقاً أمام التوصل لحل سلمي في محادثات كامب ديفيد يوليو/ 2000م, عندما طرحت إسرائيل فكرة تعديل الحدود وكأنها تنازل عن الأرض وكان الغرض منها هو اسقاط عصفورين عن شجرة المحادثات بحجر واحد عبر فكرة تبادل الأراضي وليس ارجاع الأرض لأصحابها "ما دام طرح قضية الحدود عبارة عن شكل آخر للإملاءات الإسرائيلية, وطرح آخر يحاول جعل الفلسطينيون يتنازلون عن أرضهم" (شعبان وآخرون, 2004, 81).

حيث شملت المقترحات الإسرائيلية في محادثات كامب ديفيد عام 2000م ضم ثلاثة كتل من المستوطنات "حيث يسكن في المناطق المخصصة للضم 250.000 مستوطن من شأنهم أن يحتفظوا بالمواطنة الإسرائيلية بينما يحرم 80.000 – 100.000 فلسطيني يقيمون بهذه المناطق حقوقهم السياسية, ولا سيما حق الانتخاب عندما يتم ضمهم الى الدولة الإسرائيلية" (تماري, وحمامي, 2001), وكان من الصعب على الفلسطينيين قبول تلك المقترحات.

في حين أفردت محادثات طابا جانب مهم لقضية الحدود عندما وافق الجانب الإسرائيلي على الانطلاق للبحث في "موضوع الأرض انطلاقا من حدود 1967م, وأبدى استعداده للانسحاب من نسبة تصل الى 97% من الأراضي الفلسطينية التي أُحتلت عام 1967م, وضمنها منطقة الغور بالكامل وشريط البحر الميت, وأن يتم تعويض الفلسطينيين بأراض تعادل نفس المساحة والقيمة ال3%" (نوفل, 2001), فتلك المساحة تهدف إسرائيل منها تجميع المستوطنين ضمن ثلاث كتل استيطانية وضمها إليها, اضافة لاحتفاظ إسرائيل بمحطات للإنذار المبكر لدواعي أمنية.

فقضية الحدود ألبستها إسرائيل ثوباً آخر ومعاني أخرى عميقة, عندما أصبحت كقضية تبادل أراضي وضم مستوطنات, وتبادل سكان أو ترانسفير تحقيقاً لمفهومها الأمني الصهيوني القاضي بالحفاظ على الطابع اليهودي للدولة, من خلال نقل القرى والمدن العربية المتاخمة للخط الأخضر الى حدود الدولة الفلسطينية, الى جانب احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على مرتفعات الضفة الغربية وإقامة محطات للإنذار المبكر, تحقيقاً لمفاهيم الأمن القومي الإسرائيلي المتمثلة بالحدود الآمنة والعمق الاستراتيجي.

لقد أقامت اسرائيل في الأراضي المحتلة نظام فريد من نوعه على مستوى العالم, وهو نظام للفصل العنصري يقوم على التمييز بين الأفراد الذين يقطنون نفس المنطقة حسب جنسيتهم, وهذا التمييز من قبل سلطات الاحتلال يبدأ من طرق الاستيلاء على الأرض لإقامة المستوطنات الى خطط الفصل بين المؤسسات الاسرائيلية والفلسطينية, الى خضوع المستوطنين والمستوطنات للقانون الاسرائيلي, بينما يخضع الفلسطينيين للقوانين والتشريعات العسكرية, ومن خلال هذا النظام استولت اسرائيل على مئات الآلاف من الدونمات التي تعود ملكيتها لفلسطينيين لإقامة عشرات المستوطنات في الضفة الغربية واسكانها بآلاف الاسرائيليين, وهذا الوضع مثل انتهاك خطير للحقوق القانونية للفلسطينيين, وأن اسرائيل صنعت تغير جذري في خريطة الضفة الغربية تمنع بموجبها أي امكانية حقيقية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة كجزء من حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

وقبل ما يزيد عن ثلاثة عقود طرحت اسرائيل فكرة استبدال عرب المثلث والجليل بالمستوطنين الصهاينة بالضفة الغربية هادفة بذلك الى "استثمار وضع المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة كوسيلة لطرد العرب حيث تقضي باستبدال عرب المثلث والجليل بالمستوطنين اليهود بالضفة الغربية المحتلة, وتحظى هذه الفكرة بمباركة الزعماء الصهيونيين حيث أوضح شمعون بيرس بأن الفكرة جديرة بالفحص والدراسة" (أبو عرفة, 1981, 40), وهذا الطرح القديم عندما نضعه في سياقه الراهن, يعتبر دليل واضح على أن القادة الصهاينة يسيرون على نهج ثابت ومستمر في تطبيق استراتيجيتهم الاستيطانية وتحقيق الهدف منها, وبشكل أكثر تحديداُ في الآونة الأخيرة عندما ظهرت ذات النغمة القديمة القاضية بتبادل المواطنين العرب قاطني المثلث والجليل بالمستوطنين الصهاينة بدت وكأنها فكرة أو أفكار جديدة قابلة للنقاش بل حتى للتنفيذ, لا بل أكثر من ذلك عندما تطورت الفكرة وتبلورت عبر تراكم قدرات ومكانة اسرائيل, يقابلها ترهل وضعف الوضع العربي, فأصبحت الفكرة تدور حول التخلص من المواطنين العرب بالبقعة الأرضية التي يعيشون عليها لصالح الكيان الفلسطيني الوليد, وادخال المستوطنات لا سيما الكتل الاستيطانية الكبيرة منها تحت السيادة الاسرائيلية, وحيث أن منطقة المثلث تشكل الجزء الهام والرئيسي مما اصطلح على تسميته (بالقنبلة العربية الديمغرافية الموقوتة) داخل دولة الاحتلال, وهي "المنطقة الوحيدة داخل الخط الاخضر التي تحظى بأربع صفات هامة: أغلبية عربية، تواصل اقليمي وجغرافي بين التجمعات العربية فيه، غياب عمق استراتيجي يهودي جدي، ملاصقته للخط الاخضر"(ناصر, 2014), واسرائيل اليوم تريد التنازل عن هذا الجزء من الأرض بغرض اسقاط عصفورين عن الشجرة بحجر واحد, من خلال الحصول على عمق استراتيجي أفضل وهو مرتكز أمني طالما نادى القادة السياسيين والعسكريين الصهاينة بضرورة التمسك به والحفاظ عليه, وهذا العمق الاستراتيجي يتمثل بالقيمة الجغرافية العالية لأراضي الضفة الغربية وجبالها, اضافة للتخلص من الكم العربي الهائل في منطقة المثلث للحفاظ على الطابع اليهودي للدولة, وهو مرتكز أمني آخر حيوي بالنسبة لإسرائيل على اعتبار انها دولة للشعب اليهودي, كما يحقق هذا المطلب افشال أية محاولة لإقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي وقابلة للحياة, كون احتفاظ اسرائيل بالمستوطنات الصهيونية يشطر الدولة الفلسطينية المقترحة إلى نصفين شمالي وجنوبي.

وتعتبر ظاهرة تبادل الأراضي أو السكان من الظواهر الاجتماعية التي ترافقت مع ظهور مفهوم الدولة الحديثة, ففي بدايات القرن الماضي وتحديداً عام 1923م جرت اتفاقية لتبادل السكان بين اليونان وتركيا ارتكزت على أساس الهويّة الدينية، حيث تضمنت نقل مليون ونصف من المسيحيين اليونانيين الذين يعيشون في تركيا إلى اليونان, ونقل نصف مليون من المسلمين الذين يعيشون في اليونان إلى تركيا، أغلبهم هُجّر بالقوّة وبشكل قانوني من أوطانهم, وهذا كان التبادل السكانيّ الإلزامي الأول الواسع النطاق في القرن العشرين. (ويكبيديا الموسوعة الحرة, 2014). وفي مرحلة زمنية لاحقة بتاريخ 10 آب/أغسطس 1965م تم توقيع اتفاق بين الأردن والمملكة العربية السعودية حصل بموجبه تبادل أراضي بين الجانبين، حيث حصلت السعودية عل مساحة 7000 كيلومترا مربعا من الأراضي الأردنية مقابل حصول الأردن على 19 كيلومترا لتوسيع خطه الساحلي على خليج العقبة، بالإضافة إلى 6000 كيلومتر مربع من الأراضي في المناطق الداخلية. ولكن ما يميز أو يؤخذ على الحالات سالفة الذكر لا ينطبق بالضرورة على الواقع الفلسطيني, فالاتفاقيات السابقة وقعت بين دول ذات سيادة على أرضها وسكانها, وليس بين دولة وحركة تحرر وطني لا تمتلك من السيادة سوى العَلم والنشيد الوطني وتمتلئ أرضها بالمستوطنات الصهيونية, والاتفاقيات السابقة لم تكن احدى الدول الموقعة عليها ترزخ تحت احتلال الأخرى, ولم تُقيم احداها (اسرائيل) كيانها السياسي على 78% من مساحة الأرض(فلسطين) وتأتي بعد ذلك للتفاوض على النسبة المتبقية (22%), أو لتجري تبادل أراضي في أجزاء منها يشطر تلك المساحة المتبقية الى نصفين, فإسرائيل تسعى منذ عقود خلت للحصول على الأرض مع التخلص من سكانها العرب بشتى الوسائل والطرق وتحت مسميات ومشاريع مختلفة, ولا يغيب عنا بأن فكرة تبادل الأراضي بما عليها من سكان لم تجد طريقها للعلن سوى في هذه الفترة, والتي هي من أشد الفترات زخماً بالأحداث الدراماتيكية التي ساعدت بصورة أو بأخرى على توجيه دفة الأمور لصالح الاستراتيجية الاستيطانية الصهيونية الهادفة للاستيلاء على الأرض وطرد سكانها منها, خاصة في ظل الأوضاع العربية المُتخمة بالصراعات والنزاعات الداخلية, اضافة لحالة الانقسام الفلسطيني الداخلي التي يعاني منها الشعب الفلسطيني وواقعه السياسي, وليس غريباً القول أن المشكلة التي تواجه الفلسطينيين اليوم هو أن مصيرهم ومستقبلهم وحياتهم الاقتصادية تتقرر وتتشكل الى حدٍ ليس ببعيد حسب رغبة ومشيئة المحيط الخارجي الذي يعيش الفلسطينيين بين ظهرانيه. وقد تمثل ذلك بشكل جلي لا يقبل الشك بمصداقيته عندما قام وفد الجامعة العربية العام المنصرم برئاسة رئيس وزراء قطر السابق بالذهاب للولايات المتحدة الأمريكية ولقاء وزير خارجيتها جون كيري, والاعراب له عن موافقة العرب على تعديل المبادرة العربية للسلام من خلال التنازل عن حدود 1967م لصالح بقاء الاستيطان والمستوطنات الصهيونية فوق الأرض العربية, مع امكانية تبادل الأراضي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. وكان المقابل لذلك التنازل العربي المجاني تركيز اسرائيل وزعيمها بنيامين نتنياهو على المطلب الخاص بضرورة اعتراف العرب والفلسطينيين منهم خاصة بيهودية الدولة(اسرائيل), مع أن هذا التركيز يأتي لذر الرماد في العيون, وللتغطية على ما تقوم اسرائيل بتنفيذه من مخططات تهدف للاستيلاء على المزيد من الأرض, مستغلة عامل الوقت لفرض الوقائع على الأرض من خلال تكثيف الاستيطان الصهيوني, وممارسة سياسة التطهير العرقي والتدمير وتهويد المدينة المقدسة وتغيير معالمها, وما يجري في المسجد الاقصى وباحاته دليل آخر على ذلك. ولا غرابة من اتفاق معظم قادة الاحزاب الصهيونية في اسرائيل (نتنياهو- ليبرمان- ليفني) على فكرة تبادل الأراضي, وليس ذلك فقط لا بل أصبح المتطرف اليميني وزير خارجية اسرائيل أفيغدور ليبرمان صاحب مبادرة سلام بطرحه تبادل المثلث العربي بالمستوطنات الصهيونية, هذا التوافق الصهيوني حول مسألة تبادل الأراضي لم يأتي الا تطبيقا للاستراتيجية الصهيونية التي تقضي بالاستيلاء على أكبر قدر من الأرض مع أقل عدد ممكن من العرب. وقادة اسرائيل بمختلف توجهاتهم الحزبية والأيدولوجية يسعون لابتلاع الأرض العربية والتخلص من سكانها العرب تحت مسميات مختلفة( تبادل أراضي – تبادل سكان), والتي ممكن أن تتحول مع مرور الوقت وبهذه الكثافة الاستيطانية للمطالبة بضرورة التعايش بين أصحاب الديانات المختلفة (المستوطنين اليهود) والفلسطينيين وتحقيق الانسجام بينهم, ويُتهم الفلسطينيون حينها بأنهم يرفضون التعايش لأسباب عنصرية.

لقد بات المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة ادراك كافة الفلسطينيين بأن مسار المفاوضات الحالي مساراً عقيماً ويجب وقفه, ومنع اسرائيل من استغلال هذا المسار للتغطية على جهودها الاستيطانية الحثيثة بتغيير الوقائع على الارض, مع التمسك بالثوابت الوطنية المتمثلة بحق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس, واعطاء الأولوية للجبهة الداخلية بإنهاء الانقسام وترتيب البيت الداخلي وتمتينه, وتعزيز تحالفاتنا الدولية والاقليمية على قاعدة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي أقرتها الشرعية الدولية وفق قراراتها المختلفة, واستثمار الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية كعضو مراقب في الجمعية العامة من خلال الانضواء في جميع المؤسسات الدولية التي شرعها القانون الدولي، لوضع حد للممارسات العدوانية لدولة الاحتلال وتنفيذ أحكام وقواعد القانون الدولي والانساني, وهذه الخطوات كفيلة بالحد من الأضرار التي يلحقها الاحتلال بالشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه ان لم تكن قادرة على تحقيق الحد الأدنى من حقوقه المشروعة.

إعداد : ا. علاء محمد منصور

باحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية

المراجع

•         أبو عرفه, عبد الرحمن. (1986): الاستيطان التطبيق العملي للصهيونية, دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية, ط2, عمان.

•         رابين, اسحق. ( 1993): مذكرات اسحق رابين, ط1. دار الجليل للنشر, عمان.

•         شعبان, خالد. وآخرون (2004): أثر الانتفاضة على الكيان الصهيوني, باحث للدراسات, بيروت.

•         المسحال, س. (1994) : ضياع أمة, الرافد للنشر والتوزيع, لندن.

•         نتنياهو, بنيامين. ( 1999): مكان تحت الشمس، ترجمة محمد عودة الدويري، ط 4. دار الجليل للنشر، عمان.

•         الكيالي, عبد الوهاب وآخرون (محرر).(1986): السياسة الدولية, الجزء الأول, ط1, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت.

•         المسيري, عبد الوهاب. (1999): اليهود واليهودية والصهيونية, الجزء السابع, دار الشروق, القاهرة.

•         العيلة, رياض, شاهين, أيمن (2010): "لأبعاد الأمنية والسياسية للاستيطان الإسرائيلي في القدس ووضعيتها القانونية", مقبول للنشر في مجلة جامعة الأزهر بغزة, المجلد 12, 1, ص ص 905 – 940.

•         أوفير, ع. (2008): "نظام العنف الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية", قضايا اسرائلية, .30 ص ص99-118.

•         تماري, س., حمامي, ر. (2001):" انتفاضة الأقصى الخلفية والتشخيص", مجلة الدراسات الفلسطينية, 45-46. ص ص 7-19.

•         خطيب, ف.(2004): "فزاعة الخطر الديمغرافي- البروفسور أرنون سوفير:لا حل بيننا", قضايا اسرائلية, .16 ص ص33-43.

•         نوفل, م. (2001): "في طابا تعرف الطرفان على حقيقة مواقف كل منهما", مجلة الدراسات الفلسطينية, 48. ص ص 99 – 104.

•         فلسطين أون لاين (2012): عدد المستوطنين بالضفة يتجاوز النصف مليون, غزة.

http://felesteen.ps/details/news/76403 3.8.2012))

•         ويكبيديا الموسوعة الحرة (2014): اتفاقية التبادل السكاني بين اليونان وتركية 1923.

•         ناصر, نقولا (2014): مشروع تطهير عرقي في المثلث الفلسطيني, فلسطين.

http://www.pflp.ps/news.php?id=7332.17.1.2014) )

اخر الأخبار