مخيم اليرموك ..... وجع الذاكرة و المكان

تابعنا على:   15:46 2014-01-27

محمد حجازي

شكل مخيم اليرموك قمة الوجع و اليأس الفلسطيني , ذلك المخيم الذي إحتضن الفلسطينيين و السوريين الهاربين من بطش النظام  , و الفلسطينيين الذين تقطعت بهم سبل العيش في المنافي ودول اللجوء , إستقبل الفلسطينيين المهجرين بفعل حروب العرب الطائفية و المذهبية في لبنان  و العراق , واستقبل الفلسطيني القادم من الكويت , إحتضن الثورة الفلسطينية في الزمن الصعب  , أحب ياسر عرفات وتحدى فيه النظام الطائفي , و عشق أيقونة الثورة جوج حبش , وجعل من أبنائه وقودا لمعارك الدفاع عن الثورة و القرار الفلسطيني المستقل ,  و معارك الصمود و القتال الباسل في مواجهة عدونا الوطني و القومي الذي توحد لمواجهته الفلسطينيون  . عجت مقبرة الشهداء بأبنائه  و كان لكل قبر حكاية و مأثرة ,  كان عنيدا و دائما البحث عن حلول للفشل , كان دائم الحضور في كل المراحل .

كان زمنا جميلا إحتضن التاريخ الفلسطيني السياسي و الثقافي , تعلم فيه أطفاله الحق الذي لايموت لغسان كنفاني و أدب المقاومة درويش و راشد حسن ,  تاريخ جميل فيه أبو سلمى و جبرا و آل طوقان وسحر خليفة و الأميلين , تاريخ جميل فيه القسام و عبدالقادر الحسيني يتحصن في جبال فلسطين , و أبطال معلولا و سيفوي و مطار اللد , و الطائرة الشراعية ,  و ميونخ  ودلال المغربي تاريخ جميل فيه يوسف سامي اليوسف الذي رحل في الحصار,  لم يحتمل الفشل و اليأس الفلسطيني , تاريخ جميل ولكنه غير معاق .

فتحت مآساة الفلسطيني في مخيم اليرموك و مخيمات الشتات الباب واسعا لإعادة  تقيم الوجود  الفلسطينيي و أمنه في الشتات ,  الذي هجر من وطنه و مورس بحقه أبشع تطهير عرقي  , صودرت أملاكه و ارضه بفعل الهجمه الإستعمارية الإستيطانية التي مارستها العصابات الصهيونية  , فبعد أكثر من ستين عاما على هجرة الفلسطينيين في دول اللجوء إصتدم الفلسطيني وطورد من قبل العديد من الأنظمة العربية , التي لم تعد تحتمل الوجود السياسي للفلسطينيين واعتبرته فائضا عن الحاجة ,  فلم تحتمل العلاقة التي نشأة بين الفلسطينيين و مواطنيها , الذين وجودوا في القضية الفلسطينية متنفسا لهم أولا في التعبير عن حالة القهر و الإضطهاد الذي تمارسه أنظمتهم  و ثانيا و الأهم في تعاطف الفلسطينيين مع الشعوب العربية في نضالهم ضد أنظمة الإستبداد و التخلف , إعتبر  الفلسطيني أن  هذه الأنظمة  تشكل قيدا عليه و على نضاله و تكبيلا للطاقات العربية الساعية للتحرر و التصدي للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية ,  وكان الفلسطيني و مازال ينتظر أن  تتحويل الدول العربية و خاصة دول الجوار إلى قاعدة متقدمة للنضال الوطني التحرري , الأمر الذي حاربته الأنظمه و زجت عشرات الآلاف من المناضلين العرب و الفلسطينيين في غايهب المعتقلات و السجون العربية  , ومن هنا نشأة العلاقة بين المكونات السياسية للشعب الفلسطيني من جهة و بين الأحزاب و الحركات العربية التي كانت تناضل من أجل إسقاط نظمها و حكامها الفاسدين  الذين رهنوا دولهم لمشيئة دول الجوار للإقليم العربي و لسياسة الإدارة الأمريكية و لإسرائيل .

جاء الربيع العربي ليشهد تعاطفا  فلسطينيا هائلا على المستوى الشعبي , وهذا أمر طبيعي فلم يعد شعار عدم التدخل في الشأن العربي واردا , و إن كان ما يبرره لتجنيب المخيمات الفلسطينية و يلات الحروب الطائفية و المذهبية التي إفتعلتها و غذتها الأنظمه العربية , و صاغها و أعطاها بعدا سياسيا أيدولوجيا و مذهبيا و طائفيا أحزاب الإسلام السياسي و خاصة حركة الأخوان المسلمين , و الفصائل التكفيرية التي تدعمها  , لم يحم شعار عدم التدخل في الشأن العربي و الموقف الحيادي الفلسطيني  مخيمات سوريا و خاصة مخيم اليرموك من الدمار و الحصار, وهذا أمر يبدو أنه لم يكن من الممكن الإنفلات منه , فالتجمعات الفلسطينية  في تلك الدول و لمدة أكثر من ستين عاما , أصبحت جزءا من شعوب المنطقة , و لأنهم لاجئين و يعيشون في مرحلة تحرر وطني فإن إنشغالهم في السياسة أمر حياتي و يومي .  ومن هنا جاء إرتباك منظمة التحرير الفلسطينية و السلطة الفلسطينية و الفصائل الفلسطينية في المشهد السياسي السوري , رغم صوابية الموقف الفلسطيني من تحييد المخيمات وتوفير الحماية السياسية لها , إلا أن تعاطف الفلسطينيين مع الثورة السورية و مع التحول الديمقراطي في سوريا سبق المواقف الفلسطينية و عزز من الإرتباك الحاصل . بالرغم من الإنحرافات التي حدثت في المشهد السياسي السوري , بتحويل الصراع من صراع ديمقراطي داخلي , إلى صراع  مذهبي و طائفي , و الذي يتحمل المسؤولية في ذلك النظام أكثر من غيره لأنه سعى إلى ذلك وشجع فصائل الإسلام السياسي و على رأسهم التكفيريين في العبث في الثورة السورية وهذا تم بتمويل عربي سخي   , كما أن النظام أراد من حصاره لمخيم اليرموك و تفاقم الحالة الإنسانية فيه إلى توظيف ذلك في خدمة  معركة بقاءه , وبهذا  أصبح المخيم رهين المحبسين حصار النظام له ووجود المسلحين الدخلاء ومعظمهم من الجماعات المسلحة الإسلامية , و لكن رغم هذه الإنحرافات الخطيرة في مسار الثورة السورية إلا أنها في جوهرها تبقى تعيش في مرحلة التحول الديمقراطي .

وحدت مأساة اليرموك الفلسطينيين في الضفة و القطاع وفي مخيمات اللجوء و في الشتات و المهجر , و أعادت الإعتبار إلى هوية و شخصية الجماعه السياسية الواحدة , شهدت كل التجمعات نشاطات تضامنية مع شعبهم المحاصر الذي أنهكه الجوع و الموت البطيئ , و نشأة هذه التحركات بفعل مبادرات شبابية  لتأمين الدعم بمختلف أشكاله , ففي مخيمات سوريا تشكلت جمعيات و مؤسسات  إغاثية  نشطت في كل الميادين الصحية و التعليمية و الإعلامية .......  الخ   , وهي الآن منوط بها تأمين صمود الفلسطينيين , وأسست عشرات المواقع الألكترونية و على مواقع التواصل الإجتماعي إنضم عشرات الآلاف من الشباب إلى حملات دعم المخيمات  ,   بتنا أمام جيل واع  بدأ يطرح أفكارا جديدة , ويقدم رؤية جديدة للقضية الفلسطينية ,  حق العودة نال القضية المحورية  وبمضامين جديدة  حملوا الإحتلال الإسرائيلي مسؤولية ما حدث للاجئين في سوريا بإعتبارهم طردوا من أراضيهم و صودرت أملاكهم التي إنتفع منها  الإقتصاد الإسرائيلي لأكثر من ستون عاما , إسرائيل هي الدولة التي يجب أن تتحمل التكلفه الباهضه لتهجير الفلسطينيين من مخيمات سوريا و بالتالي الشتات هي من إستغلت أراضيهم طيلة عمر النكبة وبنت إقتصادها  , وعلى أساس هذا  طرح الشباب  ضرورة تفعيل الحق الشخصي و الإجتماعي لعودة اللاجئين إلى جانب الحق السياسي و الوطني , و حملوا بريطانيا  المسؤولية الاخلاقية و السياسية لإعطائها وعد بلفور المشؤوم  , وشكلت لجان شبابية لمقاضاتها  و مسؤوليتها في تهجير الشعب الفلسطيني , وحملت المجتمع الدولي  عبء الحاله التي وصلها اللاجئ الفلسطينيي في سوريا  

و في هذا المجال يشار إلى أن هناك الآلاف من المعتقلين الشباب الفلسطينيين في سجون  النظام في سوريا جزء منهم قتل تحت التعذيب و جزء آخر ينتظر موته البطيئ , هؤلاء الشباب في أغلبهم من المجموعات التي تشكلت , وعلى رأس هؤلاء المعتقلين الكاتب و المثقف الفلسطيني علي السعيد  "  شهابي " الذي أعادت إعتقاله أجهزة الأمن السوري بعد أن قضى في سجونها أكثر من عشرين سنه , فقط لأنه لاجئ فلسطيني لم تعجبه الحالة السياسية الفلسطينية و السورية ,  كان يرى في النظام السوري الحالي عقبة أمام توظيف  إمكانيات سوريا و شعبها  في دعم و مناصرة القضية الفلسطينية , ومن خلال هذا المقال أدعوا الشباب الفلسطيني في كل مكان لتشكيل لجان للإفرج عن هؤلاء المعتقلين  .