تونس ومصر .....ثورة واحدة ومصيران مختلفان

تابعنا على:   00:30 2014-01-27

إيمان موسى النمس

كانت الثورة التونسية والمصرية نموذجان لكل العرب في الحراك السياسي المدني السلمي الذي ترك اثرا عميقا ،وغير موازين القوى السياسية الداخلية وفرض تغيرا لما هو قائم ، وتشابهت الثورتين المصرية والتونسية في دواعي قيامهما وأهدافهما ،فالشعبين ثارا نتيجة لتراكمات الاستبداد وانتهاك الحقوق والفساد وتردي الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية ، وتمثلت غايات مظاهراتهم في اسقاط الانظمة التي عرقلت الاصلاح ، وتحقيق مزيد من الديمقراطية والعدالة .

لكن منذ البداية ، تباينت مسارات الثورتين وتعمق ذلك مع مرور الوقت ،رغم ان الازمات التي اجتاحت البلدين كانت متشابهة كثيرا لكن طريقة ادارتها حددت نتائج و مسارات مختلفة ، اذ ابدت التجربة التونسية نضجا اكثر في حين ان الحالة المصرية اقتربت من حافة الفوضى والصدام بين القوى السياسية المتعارضة والدخول في حلقة مفرغة من العنف ، ويعود ذلك الى العوامل التالية :

اولها طبيعة دور الجيش ففي الحالة التونسية لعب الجيش دورا محايدا تماما فبقي في الثكنات وابتعد عن واجهة الاحداث وكواليس السياسة ويرجع ذلك الى اهمية القانون في تونس حيث تم اتباع القواعد المنصوص عليها في الدستور في حال شغور منصب الرئاسة دون ارتجال او تقديم اجتهادات غير مألوفة ، كما ان الجيش التونسي بطبعه جيش صغير وتاريخيا لم تكن له انجازات تبهر الشعب التونسي او تمنحه رصيدا سياسيا يجعله يظهر في الصورة دون تكلفة ، على عكس الحالة المصرية فالجيش المصري في ذهنية المصرين هو رمز الوحدة الوطنية و تاريخه الحربي كون عنه صورة بطولية جعل الشخصيات العسكرية تحظى بهالة لا نراها عند الشخصيات السياسة المدنية ، فهؤلاء منزهون عن حماقات الحياة السياسية وصراعاتها ،وهو ما جعل الشارع يقبل بإدارة الجيش للمرحلة الانتقالية بعد الثورة ، كما ان القوى السياسية نفسها لم تتوان عن اتخاذ الجيش حليفا لها مثل الاخوان قبل عزل الرئيس مرسي والتيارات العلمانية بعد العزل ، والمعروف ان تورط الجيش في الحياة السياسية يعني بداهة التضييق على الحريات والمزيد من الانتهاكات فالجيش يتعامل مع كل مظاهر الحياة السياسية من مظاهرات و اعتصامات ومعارضة بشكل امني ، والمسالة هنا بنيوية وليست ظرفية فهو غير مؤهل لخوض الحياة السياسية وأقصى ما يمكن ان يفعله هو تأمينها .

ثانيا درجة نضج النخب السياسية ففي الحالة التونسية استمرت الازمات السياسية وتجددت وقد كانت الازمة مماثلة لما حدث في مصر ؛ صراع ايديولوجي بين العلمانيين والإسلاميين وان كان الامر في مصر اكثر تعقيدا فبين الاسلاميين انفسهم صراعات اجنحة داخلية وداخل تنظيم الاخوان كان هناك صراع اجيال و اصلاحين ومحافظين ،لكن في تونس كان الصراع يؤول الى طاولة التفاوض وتقديم تنازلات حقيقية لتستمر العجلة بالدوران ،لكن في مصر كانت القنوات مسدودة والخطاب متطرف واستئصالي مع ميل لشيطنة الاخر ، اضافة ان النخب ابرزت قدرة ضعيفة على التعايش مع الواقع السياسي المتعدد ، فقد كان بإمكان مرسي ان يقدم استقالته مع اول مظاهرة لكنه لم يفعل ، وكان يمكن للقوى المعارضة لمرسي ان تقبل بالحوار الذي عرضه لكنها لم تفعل وبذلك اشتد الصراع وبقي مفتوحا على كل الاحتمالات من بينها الانزلاق الى العنف .

ثالثا دور الاعلام ففي مصر لعب الاعلام دورا خطيرا في نقل الصراع السياسي الفوقي الى الشارع وجعله ممارسة حياتية يومية خاصة ، لكن في تونس الشارع تعود على صراعات السياسيين دون ان يتورط في معاركها الايديولوجية.

رابعا دور العوامل الخارجية فتونس دولة صغيرة ليست ذات اهمية مركزية وان كانت الدول الكبرى والعربية لا تتجاهلها ، لكنها في نفس الوقت تدرك انها ليست الدولة التي تخلط الاوراق وتغير التوازنات ويمكن ان نقارن بين الموقف الامريكي من الثورتين فاوباما لم يرتبك في الحالة التونسية ولم يتناقض مع نفسه مثل ما فعل في خطاباته عن ثورة مصر ، نفس الامر بالنسبة للدول العربية التي تحاول ان تلعب دورا مؤثرا فهي تميل لاستثمار جهودها في مصر لأهميتها وثقلها ، وتضارب مصالح الفاعلين الخارجين ادى دورا في تأجيج الازمة المصرية وجعلها مزمنة في حين ان تونس سلمت من ذلك .

خامسا نشاط الجماعات الجهادية ففي مصر اصبحت هذه الاخيرة تشكل عقبة امام تحقيق الامن ، ورغم ان هذه الجماعات كانت تنشط من قبل في شبه جزيرة سيناء إلا انها لم تضرب اهدافا مصرية سابقا ، وقد استطاعت هذه الجماعات التوغل داخل العاصمة وتنفيذ عدد من الهجمات وضرب مواقع امنية ومصالح ذات اهمية مما يجعلها تهديدا جديا وخطيرا لمصر .

في النهاية تبقى تونس النموذج الوحيد المشرق في دول الربيع العربي ورغم ان مصر تحمل نفس المقومات إلا انها تعثرت ، وتعديل مسارها مقرون بفهم اعمق للأمور التي لعبت دورا عكسيا وسلبيا في طريقها نحو الديمقراطية .