لا أؤيد السيسي... السيسي يؤيدني

تابعنا على:   10:25 2014-01-26

ياسر عبدالعزيز

يحلو لتنظيم "الإخوان" وأنصاره وصف مناهضي الإرهاب ومؤيدي "خريطة طريق المستقبل" في مصر بـ"أنصار السيسي".

ينطوي هذا الوصف على عدد من المشكلات؛ أولها أن مؤيدي "خريطة طريق المستقبل"، ومناهضي الإرهاب، والفاشية الدينية، وحكم "الإخوان" الظلامي، ليسوا جميعاً من أنصار السيسي، وقطاع معتبر منهم ربما لا يؤيد ترشحه للرئاسة، ويرى أن موقعه على رأس القوات المسلحة أكثر فائدة لمصر والمصريين.

المشكلة الثانية تتعلق في أن بعض وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية باتت تتأثر بهذه السياسة وتصف مناهضي تنظيم "الإخوان" ومؤيدي شرعية 30 يونيو الثورية، وشرعية 14 و15 يناير الدستورية، بأنهم مجرد "مؤيدين للسيسي"، ومن تلك الوسائل من يقف في الصف ذاته ويدافع عن القيم السامية نفسها التي خرج من أجلها ملايين المصريين في محافظات البلاد كلها قبل سبعة أشهر، وهو أمر يسهم في ترويج فكرة خاطئة ومضرة بالمسار السياسي الذي تتخذه مصر راهناً.

أما ثالثة هذه المشكلات فتتعلق بتسطيح الصراع الدائر في مصر راهنا واختزاله وتصويره كما لو أنه مجرد نزاع على موقع الرئيس بين "رئيس مدني منتخب" و"جنرال من الجيش"، وهو أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة.

ليس كل معارض لحكم "الإخوان" الظلامي، ومناهض لرئاسة مرسي الاستبدادية الخائبة، ورافض لإرهاب "تحالف دعم الشرعية" مؤيداً للسيسي بالضرورة... لكن السيسي مؤيد لكل هؤلاء بالتأكيد.

بسبب صعوبة الموقف الذي مرت به مصر في العامين الأخيرين وشدة تعقيده، ونتيجة للتأثير الكبير والنافذ لوسائل الإعلام الداعمة لتنظيم "الإخوان" ومشروعه التخريبي، يتصور قطاع من متابعي الشأن المصري والمهتمين به، أن 30 يونيو ليس سوى مقدمة لـ"انقلاب عسكري دموي"، يتيح الفرصة لتولي قائد الجيش موقع الرئيس، وهو تصور زائف بطبيعة الحال، لكنه يحظى برواج في أوساط عديدة بكل أسف.

كان "الإخوان المسلمون" قد تسلموا الحكم للتو من المجلس العسكري في منتصف العام 2012، وكان السيسي أحد قادة هذا المجلس، ثم أطاح مرسي بالقائد العام السابق للجيش المشير طنطاوي، وبرئيس أركانه سامي عنان، ليصعد السيسي إلى موقع وزير الدفاع، وهو الموقع الذي كان مرشحاً له على مدى أكثر من عقد مضى، باعتباره محل توافق معظم القادة وأكثر الضباط تمتعاً بالثقة.

وصل السيسي إلى موقع وزير الدفاع في ظل رئاسة مرسي، فسعى إلى تعزيز تماسك المؤسسة العسكرية، وحمايتها من التدخلات السياسية "الإخوانية"، ورفع كفاءتها، وإعادة الثقة إلى أبنائها، وتحسين صورتها بعد الانتقادات الحادة التي تلقتها خلال فترة رئاسة طنطاوي للمجلس العسكري.

نجح السيسي نجاحاً كبيراً في المهمة التي اختارها لنفسه؛ فأجرى عملية لرفع كفاءة السلاح والمقاتلين، وهي العملية التي وصفها خبراء عسكريون بأنها "قياسية ولم تشهدها القوات المسلحة منذ فترة طويلة".

لقد أعاد الرجل الثقة إلى المؤسسة العريقة، وأكسبها حيوية وقوة في الأداء باتت محل تأييد وإشادة من كثيرين، بمن فيهم الرئيس السابق نفسه، الذي أقر بالجهد المبذول في تطوير الجيش وتعظيم قدراته.

لكن السيسي أدرك بحسه السياسي وخلفيته الاستخباراتية أن "الإخوان" غير قادرين على الوفاء باستحقاقات الحكم، ولا يتمتعون بالالتزام المعنوي والأخلاقي تجاه الدولة ومؤسساتها، وغير أمناء على وحدة الجيش وتماسكه، وأنهم مصدر تهديد مستمر للسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي.

أخذ "الإخوان" مصر إلى مشكلات خطيرة متفاقمة، أدت إلى اندلاع أعمال عنف غير مسبوقة، وأججت الفتنة الطائفية، وأضرت بعلاقات مصر الخارجية، وهددت السيادة الإقليمية، وأغرت بالتراب الوطني، وأهانت مقام الدولة.

لقد حدث ذلك في مواقف عديدة سواء في ما يتعلق بأثيوبيا، وأزمة سد النهضة، ومهزلة إذاعة الاجتماع السري لمناقشة سبل التعامل مع التحدي الذي تفرضه أديس أبابا على مصر على الهواء مباشرة، أو في ما يختص بالاختراقات الخطيرة على الحدود الشرقية والاستسلام لسطوة "حماس" وأنفاقها بين سيناء وغزة، أو في ما يرتبط بمسألة حلايب وشلاتين والتراخي مع الجانب السوداني في حسمها بسبب التقارب الأيديولوجي بين النظامين الحاكمين في القاهرة والخرطوم آنذاك، وأخيراً في ما يتعلق بالنفوذ القطري والتركي على القرار المصري، وهو النفوذ الذي أخذ يتصاعد بدرجة لافتة وخطيرة، وأخيراً بشأن خطف السلطة لمصلحة التنظيم الدولي لـ"الإخوان" و"مكتب الإرشاد"، ليتحول الرئيس إلى مطية في يد أشخاص غير محددين ومصالح غير معلومة على وجه اليقين.

نزل المصريون بالملايين إلى الشوارع والميادين، وقد أبدوا إصراراً واضحاً على عدم العودة إلا بعد أن يوافق مرسي وقادته في "مكتب الإرشاد"، وداعموه في الدوحة وأنقرة، على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتعديل الدستور المعيب المختلس، وإبعاد "النائب العام" الذي اختاره تنظيم "الإخوان" وعينه مرسي في المنصب تحدياً للقانون وتغولاً على السلطة القضائية.

راقب الجيش حجم الغضب العارم في صدور الملايين من المواطنين، ورصد الوقائع المتلاحقة، وعاين أحداث العنف التي برزت على السطح وبدأت بالتزايد بوتيرة تصاعدية، فوجه إنذاراً لمرسي، وأعطاه مهلة للتجاوب مع المطالب الشعبية والحوار والوصول إلى حلول سلمية توقف الانزلاق السريع إلى حالة العنف والاحتراب الأهلي.

لم يتجاوب "مكتب الإرشاد" بالطبع، وأظهر تصلباً كبيراً، وراح "الإخوان" وحلفاؤهم في اليمين الديني المتطرف يظهرون استعلاء، ويحرضون على العنف، ويهددون به، ويتوعدون كل من يعارض سلطتهم.

أي تقييم عاقل ومنصف لما كان يجري في مصر آنذاك يشير بوضوح إلى أن الحالة كانت تتجه إلى اقتتال أهلي واسع، في ظل تصاعد مطالب الأغلبية الشعبية المحتشدة من جهة، واستئثار الطغمة الحاكمة بالسلطة، واستبدادها، ورغبتها الملحة في استخدام العنف لقمع الاحتجاجات من جهة أخرى.

كان على الفريق السيسي أن يختار بين أن يبقى في مكتبه، وأن يظل جنوده في ثكناتهم، تاركاً البلاد لمصير مجهول، ومتخلياً عن أحد الأدوار الرئيسة للمؤسسة العسكرية المصرية، التي تعكس التزاماً وطنياً أساسياً تجاه المواطنين وسلامة الدولة، أو أن ينحاز إلى الإرادة الشعبية التي تبدت عارمة وفياضة وملحة، وأن يدافع عن سلامة المصريين ويصون السلم الأهلي من جهة أخرى.

لقد اختار السيسي أن يؤيد 30 يونيو، وآلا يخذل المصريين أو يبقى واقفاً على الحياد، في وقت كان "الإخوان" وحلفاؤهم فيه يمارسون العنف بحق المتظاهرين السلميين ويهددون المواطنين بـ"السحق"، و"قطف الرؤوس"، و"التعبئة في شكائر".

استشعر الفريق السيسي الخطر على الدولة والمواطنين، لذلك فقد انضم للحراك الثوري الوطني، وقرر مساندة الشعب، وليس السلطة، كما فعلت المؤسسة العسكرية طيلة تاريخها الحديث.

لذلك فإن وصف جميع أنصار خريطة طريقة المستقبل، التي تتضمن استحقاقات الدستور والانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أو هؤلاء الذين صوتوا بـ"نعم" على الدستور، بأنهم مجرد "أنصار السيسي" هو وصف خاطئ ومغرض في آن.

ليس كل من يدافع عن روح الدولة المصرية، وحسها الحضاري، و"خريطة طريق المستقبل" للانتقال الديمقراطي، وحياة المصريين، ومستقبلهم، ويعارض حكم الفاشية الدينية "الإخواني"، ويناهض الإرهاب، من مؤيدي السيسي... لكن الأكيد أن السيسي يؤيده.

وإذا كان هناك من يستحق عن جدارة لقب "مؤيد السيسي" و"نصير السيسي" و"داعم ترشح السيسي للانتخابات الرئاسية" فلن يكون سوى تنظيم "الإخوان"، الذي يثبت بطيشه وخوائه وحرصه على الفوضى وتبعيته لقوى إقليمية حاقدة ومغرضة، أنه خير داعم لوزير الدفاع، وأنه سيستمر في معاندته لإرادة المصريين حتى يحمل السيسي إلى موقع الرئاسة، باعتباره الخيار الأقدر على مواجهة الإرهاب الأسود الذي يضرب مصر بشراسة وحقد وبلا عائد ولا ضمير.

عن الجريدة الكويتية