إنك لا تنزل النهر مرتين

تابعنا على:   15:40 2016-05-30

طارق حسن

صرنا نعرف أننا «أشباه دولة».

اقرأ حوادثنا، وآخرها فى المنيا، تعرف أننا «أشباه» فى كل شىء، بل نحن بالمقارنة مع أهل العصر، لسنا شيئا.

ربما نعرف، لكننا لا نقر بشىء.

مسختنا، البيروقراطية المهيمنة على تنظيم السياسة والمجتمع فى مصر منذ عقود. تدمر فينا كل عزيز. مبيدة لطاقات، وملكات أفراد، وعقول، ونفوس البلد. قاتلة لقوة، وعزة، ورفعة البلد.

نسعى إذن لدولة. ممتاز. مادمنا نبنى دولة، فلتكن حديثة، كما هى دول العصر.

الدولة فى العالم نوعان، لا ثالث لهما. دولة حديثة، تدار لامركزيا، وما دون حديثة، تدار مركزيا، وتتسيد عليها الإدارة. تعمها السيئات بدرجات مختلفة الألوان، والأشكال، وأحط مراحلها الانهيار. وأوحش بقاعها المنهارة، فهى الأشد ظلما، ودموية، وإبادة على وجه البسيطة الآن.

تريد أن تعرف. لا تجهد نفسك. انظر حولك.

الدولة الحديثة فياضة الطاقة، فائقة القوة. لا واحدة منها شهدت انهيارا فى عصرنا. بقيت هى، وانهار، أو تبدل ما دونها. بها أزمات ومشاكل. إنما بها علاج، وبدل العقل ألف عقل. وما من واحدة منها، إلا ونظامها السياسى - الاجتماعى قائم على سيادة «نظام وقيم المبادرة الفردية».

عرفنا سر الحداثة والتطور إذن. إنه تأسيس نظم السياسة والمجتمع على أساس سيادة «المبادرة الفردية». هذه هى الدولة الدافعة للتطور، والتقدم، والنماء، باستمرار.

لن أذهب بك إلى أمريكا، أو أوروبا. أبدا أبدا. أدرك تماما أن هؤلاء غيرنا، كما نحن غيرهم. تعالَ معى إلى اليابان. إلى الشرق

الذى نحن منه ومنا.

هنا معجزة الدولة الحديثة. لم يدمر بلد بقنبلة نووية إلا اليابان. ولا يسكن بلد فوق الزلازل مثل اليابان. ولم ينهض بلد بسرعة فائقة، بقوة مبادرة الفرد، والاستثمار فى الفرد، وبالفرد سوى اليابان.

تبدل حال اليابان، بلا وقت يساوى، فى عمر التاريخ. بلغت مبلغها فى الحداثة. صارت دولة حديثة، ومجتمعا حديثا. سطرت اليابان فى التاريخ. إنك بالدولة الحديثة تملك مجتمعا حديثا، فائق التطور، وفائق الاحتفاظ بهويته وخصوصيته. سطرت اليابان أن قوة الدولة الحديثة طاغية. أمضى من قوة السلاح.

قوة اليابان وصلت أمريكا. صارت تهدد عرش أمريكا فى عقر دارها. تمسك رقبتها بالديون. المستقبل الأمريكى بات مرهونا للبنك المركزى اليابانى، ونظيره الصينى.. سمعنا أخيرا أصوات الأنين الأمريكى من سطوة اليابان، والصين عليها.

دعك من الصين قليلا، فهى بالرغم من قوتها العالمية، دولتها غير حديثة، وربما فى طور توفيق أوضاعها. ثم إنها غزت الداخل الأمريكى، وخارجها عموما، بأدوات المبادرة الفردية، وبقوانين وقيم، نظام المبادرة الفردية.

باختصار، نريد طريق اليابان.

لمَ لا نكون كاليابان؟

كيف لا نكون دولة حديثة؟

ما المانع؟

لا تقل لى، اليابان قصة مختلفة، أو إنها قصة، ونحن قصتنا قصة.

لا تقل لى: ما أنا بقارئ.

تعلمنا اليابان أنك مع الدولة الحديثة، تتألق خصوصيتك، وهويتك.

البيروقراطية أضاعت زهو خصوصيتنا، وهويتنا، وهى لا تفهم من الخصوصية سوى التذرع بها، لمصادرة غيرها. خاصة الجديد والحديث.

يا أخى، النظام البيروقراطى، انحدر بِنَا، ويحول دون صعودنا بطريق اليابان.

يا أخى، نحن من أهدى الدولة للبشرية، وعرفت بِنَا، ومعنا، أنه لا يوجد ما بعد الدولة إلا ضيعة، وضياع الفوضى.

فبأى حق، نتخلف منذ عقود عن طريق الدولة الحديثة؟

بأى حق، نبقى أسرى نظام بيروقراطى عقيم؟

نظام لا يرحل فيه قديم، وإن رحل كل قديم، ولايحيا فيه جديد، مع أنه يولد كل يوم جديد. جديدنا بات كما «موءودة سئلت بأى ذنب قتلت».

يا أخى، النظام البيروقراطى لا يبقى فينا، ولا يذر.

نظام مسخ. سخطنا «أشباه».

يا أخى كن حكيما:

إنك لا تنزل النهر مرتين.

اخر الأخبار