قصة قصيرة ::: التاكسي :::

تابعنا على:   15:04 2016-05-28

د. عز الدين حسين أبو صفية

 لم يكن أبا أحمد سوا مواطن عادى مستور الحال، جمع كل ما يملك من نقود وباع بعضاً من أدواته المنزلية التي يعتقد بأنه يمكنه وأسرته الاستغناء عنها وكذلك ما توفر من صيغة لدى زوجته وكانت لا تتعدى أكثر من خاتم وحلق وأساور ذهبية قديمة ورقيقة لا يتعدى منظرها شكل النحاس.

جمع كل ما توفر من ثمنها إلى ما لديه من نقود وقام بشراء سيارة موديل قديم، أراد بها أن تقصد العمل عليها كسائق يكسب رزقه بالحلال، فكان له ذلك، وساعده في هذا العمل خبرة السياقة التي كان قد مارسها في عمله كموظف سابق في أحد المؤسسات.

مرت الأيام وأبا أحمد في غاية السرور والانبساط عندما كان ينهى يوم عمله ويحصى صافى ما تبقى له من نقود تسر قلبه فيحمد الله على ما قدره له ويعود إلى البيت محملاً ببعض من الفواكه والخضار أحياناً وبعضاً من الحلوى أحياناً أخرى.

دخل السرور إلى بيت أبا أحمد وزوجته التي كانت تأخذ الغلة وتقسمها بين مصروف للأولاد ورسوم جامعات لبعضهم وتغطية احتياجاتهم من ملبس ومأكل وغيرها وما تبقى تقوم بوضعه في صندوق صغير وتقول في سرها بأن هذا المبلغ سأحفظه لاحتياجات السيارة من تصليح وتأمين وترخيص أو حتى مخالفات سير قد يتعرض لها زوجها الحريص دائماً ألا يرتكب أيّ من مخالفات السير.

علمتُ كل ذلك عن أبا أحمد وأنا لا أعرفه من قبل عندما استوقفت سيارة عند انتظاري على ناصية الشارع ولم أقصده هو بالذات ركبت وجلست في المقعد الأمامي بجواره وكنت صامتاً لا يدفعني للحديث أيّ شيء رغم حبي لتجاذب أطراف الحديث مع أيّ سائق أقوم بالركوب معه وهم كثر ومختلفي الأمزجة ومتقلبين ومتوترين وهادئين ومنهم من يشكوا حاله ومنهم من يحمد الله على كل الأحوال ومنهم من يريد أن يتحدث فقط ليفرغ ما بداخله من كبت وقهر ووسواس.

ولم يكن أبا أحمد يختلف كثيراً عن فئة السائقين هذه فهو منهم وممتهن السياقة منذ زمن وإن كان عمله كسائق على الطريق لا يتجاوز بضعة أشهر، فقام بإشعال المذياع لديه (المسجل) وأدار مفاتيحه إلى أن عثر على أغنية أم كلثوم ودارت الأيام، تنهد أبا أحمد بعمق وهو يردد مع الأغنية ودارت الأيام ومرت وأنا أبتسم ومبسوط ع كلمات الأغنية التي أذهب معها إلى ذكريات قديمة نسجتها سنون رحلة العمر وفجأة أفاقني صوت أبو أحمد من شرود ذهني مع الأغنية وهو يتوقف لأخذ الركاب عن الطريق وكانت سيدة منقبة بالأسود بالكامل وبعد أن استفسر عن وجهتها صعدت السيارة وهو ينظر إليها بنظرة تفحص وريبة لم ترق للسيدة فبادرته بالسؤال وبشيء من العصبية لماذا تنظر إلىّ بهذه الطريقة، والله يا أختى ما قصدت شيء، إذا لماذا هذه النظرات، أنا آسف لم أكن أقصد شيئاً، وأنهى الحديث معها على الفور واستمر في سيره إلى أن طلبت منه التوقف، فتوقف وحاولت الخروج من السيارة فقال لها الأجرة يا أختي لو سمحتِ، أعطيتك الأجرة عشرة شيكل أعطيني الباقي، ذهل السائق يا أختي لم تعطيني شيء، أعطيتك ما أعطيتك بدى الباقي، ما في باقي اشتد الحديث، بأحضر لك الشرطة هات الباقي، والله يا أختي ما أعطيتيني الإيجار ،هات ولا أخرب ديارك هات هات، بادر السائق بسؤالي كشاهد هل أعطتني أيّ شيء، فقلت أنا لم ألحظ ذلك، وإذا ببركان صوتها ينفجر في وجهي أنت واحد أعمى وانهالت عليّ بألفاظ سيئة، الله لا يوفقكم الله ياخذكم حسبي الله ونعم الوكيل تقل ذلك وهي تخرج من السيارة وتغلق بابها بقوة وبعنف وكأنها صاحبة حق.

بقى السائق متمسمراً في مكانه وهو شارد الذهن أعطيته سيجارة تردد في أخذها مني ومن شدة توتره قال هات والله أنا تارك الدخان منذ شهرين لكن هالأشكال هاي بتخلي الواحد مش يشرب دخان فقط بل يشرب ...!!!

أخذ شهيقاً عميقاً ونفث الدخان من صدره مع آه الوجع والألم ويوجه كلامه لي بتعرف يا أستاذ ... شو يا أبو أحمد، قبل يومين والله هذا الحكي صحيح ومش تجني على أحد ركبت صبية مستورة ومش منقبة زي الخيمة السوداء، صباح الخير يا عمو، ركبت بكل أدب واحترام أعطتني شيكلين أجرة الطريق وانشغلت بالرد عبر الجوال الخاص بها على مكالمة استقبلتها ولم أركز كثيراً على الحديث الذي دار بينها وبين المتصل بقدر ما ركزت على جهاز الجوال الجميل والثمين بيدها، ما شاء الله جوالك حديث وجميل، والله شرياه من حوالي يومين بألف وخمسمائة شيكل، انقطع الحديث عندما استوقفتني إحدى الفتيات المنقبات وأصرت الصعود في المقعد الخلفي رغم أن المقعد الأمامي غير مشغول، جلست بجانب الفتاة غير المنقبة والتي أنهت لتوها مكالمتها ووضعت جوالها في شنطة يدها وأغلقتها بالسوستة.

وما أن سرت مئة إلى ثلاثمائة متر إلا والفتاة المنقبة تطلب مني أن أتوقف على عجل، ما وصلنا إلى المكان الذي طلبتي أوصلك إليه، لو سمحت توقف بسرعة أريد النزول لأنني نسيت بعض الأغراض في منزلي وأريد العودة لإحضارها توقفت وخرجت وذابت في ازدحام الشارع، وأكملت السير.

وفجأة طلبت مني الفتاة غير المنقبة وبهلع أن أتوقف استغربت الأمر مالك يا بنتي، جوالي انسرق من الشنطة رغم نها مغلقة بالسوستة وبجانبي ويدي ماسكة بها لقد سرقتها المنقبة قلت لها يا بنيتي ما يروح من النصيب شيء وين بدك تروحي تبحثي عن ه السراقة بكت الصبية وهدأت من روعها وهي تتحصر على جوالها المفقود، كفكفت دموعها وهي تقول أإلى هذا الحد السارقات يتنكرن بالبرقع قلت لها وأكثر والله يا عمو بستغلن البرقع للسرقة والشحادة وأغراض أخرى قذرة،

استأذنتني أن تستخدم جوالي أعطيتها فاتصلت على الشركة وأوقفت الشريحة وأجرت اتصال آخر مع والدها الذي حسب ما أفادتني قال بيعوض الله يا بنتي.

أرجعت الصبية جهازي وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل هو نحن في بلد سايب ولا شو

شكراً يا عمو ... مع السلامة

أنهى أبو أحمد سرد قصة هذا الحادث وتفاجأ بضحكة ارتفعت مني واستغرب خروجي عن صمتي المتململ، مالك يا أستاذ شو اللي صار معك لماذا تضحك بهذه الطريقة، والله شيء غريب، يا أستاذ كل يوم قصة وحكاية والله العمل كسائق خلاني أشوف وأسمع الكثير من الأمور والعجايب، اهدأ، هدأت وقلت له بتعرف مين هاي الصبية اللي المنقبة سرقت جوالها، يبدو أنها بنت ناس محترمين لأنها كانت في غاية الأدب، هاي بنتي يا أبو أحمد، لم يدرك ما قلت، هاي بنتي يا أبو أحمد، أوقف أبو أحمد السيارة بدينك بنتك، والله بنتي.

أطلق ضحكة استغراب ودهشة أفاقه منها تهديد شرطي المرور بتحرير مخالفة سير له لارتفاع صوت ضحكته.

 

اخر الأخبار