أحلام الفتى الطائر والكعب الدائر

تابعنا على:   14:36 2014-01-23

موسى أبو كرش

 لا شيء يؤلمني أكثر من فتى يطرق عليّ باب مكتبي وأنا مستغرق في عملي، وما أن أسمح له بالجلوس حتى يخبرني بأدب جم وثقة يحسد عليها، انه خريج أعلام، وأنه ما أنفك يبحث عن عمل ،وأن كعبه الدائر رسا عندي، وأن أمله بي كبير.. عند ذلك يسقط في يدي، وأشعر بحرج شديد، ولا أمتلك إلا أن أجيبه والألم يعتصر قلبي: أن موظفينا تابعون لديوان الموظفين العام، وأن موازنتنا لا تسمح باستيعاب المزيد من الموظفين ، طالباً منه على سبيل المواساة والأمل أن يترك رقم هاتفه ،بانتظار فرصة عمل تلوح، وأنا أدري و يا لحسرتي أن هاتفه لن يرن أبداً !

تركب سيارة الأجرة فتفاجأبسائق أنيق يقود سيارتك ، وما أن تتبادل معه أطراف الحديث حتى يخبرك، أنه خريج جامعي منذ بضعة سنين ، وأن عقبيه قد قدّتا وهو يبحث عن عمل، دون أن يجد إليه سبيلاً ، فانتهى به المطاف إلى هذه المهنة التي أصبحت مهنة لمن لا عمل لهم ،لاعناً الحصار والانقسام، وإذا ما طالت بك الطريق، شرح لك دون ملل أو كلل الصعوبات التي تواجهه في عمله ،والرزق القليل الذي تدره عليه مهنته جراء ارتفاع أسعار البنزين والكيروسين،مشيرا إلى أن بعض زملائه وجدوا عملاً عن طريق "الشفاعة "التي حلت محل الواسطة هذه الأيام ! عند ذلك تتذكر أبناءك والغصة تحرق صدرك على مصيرهم الشقي المحتوم !

ذات مساء وجدتني أعرج علي بائع يقف خلف عربته في عرصة الطريق، فقلت له ممازحاً : أعطنا مما أفاء الله عليك من نعمة الفستق بهذه الشواقل، فرد عليّ معاتباً والحزن يملاْ صوته .. "أتسخران مني ...؟! أنا مثلكما تماماً، أنا خريج جامعي ولكن الزمن رمى بي في هذه المهنة اللعينة!"

يا للهول! وجامعتنا ما انفكت تضج إلى سوق البطالة سنوياً الالاف الخرجين والخريجات، وهي تعلم علم اليقين أن لا مستقبل لهم، ولا عمل بانتظارهم، وأن شهاداتهم التي حصلوا عليها بعصارة أعصابهم ، ومزق شرايين آبائهم، لن تحتويها سوى أطر معلقة على جدر غرف نومهم، يلقون عليها التحية صباح مساء بألم وحسرة ومرارة لا تطيقها الصدور !

أيها السادة المعنيون شمالاً وجنوباً آن الأوان أن تلتفتوا إلى هذه الفئة المحرومة المظلومة من أبنائنا وبناتنا، وأن تسعوا ما وسعكم السعي لإنصافهم وازالة الظلم الواقع عليهم ،والبحث عن سبل العيش الكريم لهم بدلاًمن برامج البطالة والتشغيل المؤقت التي بات لا تسمن ولا تغني من جوع، وقبل ذلك الابتعاد عن سياسة السبهللة التي اعتدتم على سياسة البلاد والعباد بها دون تفكير أو تخطيط أو تدبير، وربط السياسة التعليمية برمتها بعجلة التنمية واحتياجات السوق، وسن القوانين المنظمة لعمل الخريجين لدى القطاع الخاص لحمايتهم من الاستغلال من أرباب العمل، ويكفي أن نعلم أن بعض خريجات كلية الصيدلة يعملن براتب شهري لا يزيد عن ثمانمائة شيقل وهو مبلغ لايساوي نصف كلفة تعليمهن شهراً واحداً بالجامعة ،ومثلهن مئات الخريجات والخريجين العاملين في مختلف المهن والتخصصات في غزة وجوارها.

اخر الأخبار