حفيد جمال عبد الناصر: لم أر أسوأ من وضع مصر الآن

19:50 2013-10-12

أمد/ القاهرة: قال جمال خالد عبد الناصر، حفيد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، إنني «لم أر أسوأ من الوضع الذي تعيشه مصر الآن».
وأضاف عبد الناصر، في مقاله اليوم السبت، على "بوابة الشروق" المصرية، «إلى أين تمضي مصر»، أن «الفساد الذي عاشته مصر طوال العقود الماضية أدّى إلى تخريب الشخصية المصرية»، وحذر عبد الناصر من تدهور الأوضاع إذا لم يتم إعادة بناء مصر على قيم الإنتاج.

وأكد حفيد الزعيم الراحل، أن تدخل القوات المسلحة بعد ثورة 30 يونيو، أنقذت ملامح الوطن ومستقبل الأجيال القادمة.
وأشار جمال خالد عبد الناصر، إلى أن أي نظام يجب أن يعتمد على إعادة بناء الدولة بما يضمن العدالة الاجتماعية، ويتيح تكافؤ الفرص، ويقيم اقتصادا صناعيا وزراعيا إنتاجيا بدلا من الاقتصاد الذى يديره السماسرة والتجار.

نص المقال: إلى أين تمضي مصر

فى تلك الأيام العصيبة التى تمر على مصر وجدت سؤالا يصيبنى بالقلق بشكل يومى وبصورة مخيفة... «إلى أين تمضى مصر؟» وكشاب يقترب من منتصف العقد الرابع من عمره وكمواطن مصرى متمسك بمبادئ الانتماء والقيم الوطنية لاحظت أننى لم أر مصر فى وضع أسوأ مما هى عليه اليوم. لقد وعينا أنا والجيل الذى أنتمى إليه معا على مصر وهى تمضى فى أيام أحيانا حلوة وأحيانا أخرى عصيبة ولكن كانت الدولة بأدواتها ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية تسير فى حركة طبيعية كمحرك قد تم بناؤه زمن أجدادنا وكانت «العجلة تدور».

وفى يوم ما توقفت وأجبت بنفسى عن السؤال الذى كان يحيرنى. فكانت الإجابة واضحة. إن ما بناه أجدادنا لا يخضع لقوانين الفضاء أى لا يتوقف الشيء إلى الأبد بعد دفعه بل يخضع أكثر لقوانين الجاذبية الحتمية التى توقف أى شيء إن لم يتم دفعه أو إعادة بنائه مرة أخرى. فإن لم نعد بناء هذا الوطن على أساس قيم الإنتاج فسوف تتوقف «العجلة» وسيرث أبناؤنا وأحفادنا وضعا كارثيا أسوأ مما نعيشه اليوم.

•••

لا يستطيع أحد إنكار كم الفساد والإفساد الذى عانت منه مصر طيلة الثلاثة عقود السابقة على ثورة 25 يناير، والذى عمل على تخريب الشخصية المصرية، ونشر قيم عدم الانتماء والأنانية والمحسوبية فى المجتمع المصرى.

وبالرغم من كل الخسائر، كانت هناك بقايا لهيبة الدولة ومؤسساتها، مما جعلنى أخشى على مستقبل الأجيال القادمة مما يفعله المصريون بوطنهم الآن، ويقينى أنه لولا ثورة 30 يونيو واستجابة قيادة القوات المسلحة المصرية لها، لسقطت مصر فى جب عميق لم يكن لها أن تخرج منه قريبا، ولضاعت ملامح الوطن، ولكى لا تضيع ثورة 30 يونيو، فلابد لأى نظام قادم أن يعمل على إعادة بناء بمبادئ تضمن العدالة الاجتماعية، وتتيح تكافؤ الفرص، وتقيم اقتصادا صناعيا وزراعيا إنتاجيا بدلا من الاقتصاد الريعى الذى يديره السماسرة والتجار والمعتمد على تحويل مصر لسوق لتصريف المنتجات الأجنبية، وإذا لم يحدث ذلك ستستمر عمليات بيع ثروات الدولة بالشكل المتسرع الذى شهدناه فى الأعوام الماضية فى ظل غياب الإنتاج. فالمشكلة المتعلقة بالإنتاج تعانى منها دول كثيرة، ولكن بدرجات وأشكال مختلفة، فالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تعانى من نقص فى المهن التقنية بسبب العمالة الآسيوية بفرض الضرائب والجمارك، ولكن ما تنتجه مصر قليل جدا بما لا يمكنها من مواجهة هجوم السلع الأجنبية عليها.

لقد بدأنا فى الثلاثة أعوام الماضية مواجهة الفساد العمودى، أى الفساد الذى يهبط من قمة مراكز السلطة، ومازلنا نحارب ضده، ولكن أليس هناك فساد أفقى أيضا؟ الإجابة هى بالتأكيد نعم!

هذا النوع من الفساد عملية إزالته أصعب بكثير من الفساد العمودى، لأننا جميعا شركاء فيه، ربما دون أن نعلم. هذا الفساد له وجوه كثيرة مثل المحسوبية والرشوة والإكرامية وعدم المسئولية تجاه المصلحة المجتمعية بصفة عامة. فطالما نادينا بالحرية فى الثلاثة أعوام الماضية ولكن الحرية دون المسئولية تساوى الفوضى. أليس الأمر كذلك؟

وبهذه الإفادة نرى أن المسئولية مشتركة بين الدولة والمواطن، ولكن سأتكلم من وجهة نظر المواطن وما يخصنا فى حياتنا اليومية. أتذكر يوما سألت فيه والدى رحمة الله عليه عن عادة منح البقشيش والإكرامية وقلت له «أليس هذا فسادا؟» كان والدى بطبعه لا يجيب عن أى تساؤل ما لم يره مهما ويستحق الرد، غير ذلك كان يتجاهل الإجابة قائلا «لا أعلم» حتى ولو كان يعلم بالفعل. رد على قائلا «على حسب»، لو عامل نظافة فى الشارع يعمل فى حاله ولا ينتظر شيئا من احد ومنحته بقشيشا، فأنا لا أعتبر ذلك فسادا لأنه لا ينتظر منى شيئا، ولكن إذا ترك عمله وأخذ يحيينى منتظرا منى بقشيشا، لو منحته مالا فأنا أساهم فى إفساده، وأشجعه على إهمال عمله والتكسب عبر التسول تحت غطاء العمل، وكذلك إذا أعطيت إكرامية لموظف حتى يهتم بمطالبى بشكل متميز أو لإنهاء بعض الأعمال الخاصة بى بسرعة أو بما يخالف القانون، فهذا يعتبر فسادا، ولكن إذا أعطيته مالا كمكافأة أو بلا مقابل فالأمر يختلف، فالكل يعلم أن الدولة لا توفر لهم مستوى كريما للمعيشة.

ومن هنا توصلت إلى أن الدولة تحمل الشعب هموما كثيرة من المفترض أن تتحملها الدولة نفسها. فعلى سبيل المثال هل ممكن أن تعطى عامل نظافة ألمانيا مالا؟ بالطبع لا يمكن، فالحكومة الألمانية لديها قوانين توفر لكل شخص سواءا كان ألمانى الجنسية أو أجنبيا ــ حدا أدنى للمعيشة الآدمية، وأى تعاطف مع منح البقشيش خارج إطار الـ «تيبس»، أى نظام البقشيش المقبول عالميا، سينظر له المجتمع الألمانى كتعاطف مع الكسل والفساد.

•••

وأود أن أعود هنا إلى ما بدأت به هذا المقال. فالدولة ليست مجموعة مؤسسات تعمل دون عنصر بشرى. ودولاب العمل لن يستمر دون ملء تخصصاته المختلفة بعناصر واعية ومنتجة ولديها إحساس بالمسئولية. ومثلما تم بناء الدولة المصرية على يد أجدادنا فى العقود الماضية، فمصر الآن تنتظر جيلا جديدا يحافظ عليها ويبنيها ويطورها لعقود قادمة.

فهل لدينا كشباب الكفاءة والوعى والإحساس بالمسئولية لكى نبنى مصر المستقبل؟

هل سنستيقظ من غيبوبة اللا وعى والاستخفاف بالواقع والفساد الأفقى المشترك؟

هل سنظل نعيش فى ظاهرة التوك شو والكوفى شوب وغيرهما من وسائل اللا إنتاج وإضاعة الوقت والتى حولتنا لمجتمع مستهلك وخاوى ومشتت فى أفكاره؟

الأدوار والفراغات ستملأ بشكل أو بآخر، ولكن هل سيحدث ذلك بشباب أفسد نفسه باللا مبالاة، واحتراف الوصولية، وعشق المادة؟

أم سيتم ذلك بشباب واع قادر على إيجاد حلول ناجحة للقضاء على الفساد، وقادر على الحفاظ على الوطن الذى يعيش على ترابه؟

الأيام القادمة ستحمل لنا الإجابة وعليها سيتوقف مستقبل مصر.

اخر الأخبار