الديموقراطية الامريكية وأطماع السيطرة الاقتصادية

تابعنا على:   12:46 2016-05-27

د. اكرم ابراهيم حماد

تحدث الكاتب الأمريكي " البرت أ. كان " في كتابه المعنون بـ " مصرع الديمقراطية في العالم الجديد " الذي سبق ونشرته دار العلم للملايين في بيروت عن العصابات المسلحة التي يستخدمها أرباب الصناعة والمال في الولايات المتحدة للبطش بالعمال ، ويروي الكاتب قصصاً من بطش هذه العصابات ، فيذكر أن هذه العصابة تصدت لمندوبي اتحاد السيارات الذين كانوا يقومون بعمل مشروع هو توزيع بيانات الاتحاد على أبواب المصانع ، فعذبوهم بوحشية يصعب تصورها .

ويذكر مثالاً آخر في مدينة دالاس بولاية تكساس حيث كانت عصابات فورد تجلد زعماء العمال بالسياط، وتطلي أجسامهم بالقطران ، وتمثل بهم أبشع تمثيل. فقد كانت أكبر الاتحادات الصناعية هناك تملك جيوشاً خاصة بها مسلحة بالبنادق السريعة الطلقات ، وقنابل الغاز المسيلة للدموع لتمنع النقابيين من غزو مصانعها.

هذه هي أمريكا في بداية صعودها ونهضتها الصناعية ، فهي لم تبسط نفوذها وسيطرتها الصناعية بالديمقراطية ولا بالتعاضد الاجتماعي ولا باللحمة الإنسانية ولا بصون حقوق العمال والفلاحين ، وإنما كان ذلك بالسيف والجبروت اللا متناهي في غطرسته ، بحيث روضوا العمال لطاعة أرباب العمل حتى أضحت الديمقراطية التي يريدونها في تصرفات العمال عادة وسلوكاً .

كانت هذه هي البداية لبناء اقتصاد غربي نهضت به بلاد الغرب ، واليوم يعود الغرب بأشكاله المختلفة لبسط نفوذه الاقتصادي على الشرق العربي بنفس الكيفية والآلية التي بسط بها نفوذه في أمريكا ودول أوروبا في بدايات نهضته، وكانت أمريكا في كل ذلك راعية الديمقراطية الأول والتي حملت لواءها فجعلت منها تارة جزرة تعطيها مكافأة لمؤيدي سياستها والداعمين لاقتصادها، وجعلت منها تارة أخرى عصا ترفعها في وجه معارضيها وأعدائها، فما العصابات التي تشكلها اليوم في المشرق العربي إلا صورة مكررة عن تلك العصابات التي سادت أوروبا وأمريكا في بدايات عصر النهضة ، فهي عصابات تقاتل بوحشية وفق رؤية غربية أمريكية ذات نوازع اقتصادية ، وهي جاهزة لتقطع أوصال بلدان ربما سعت للاستقلال باقتصادها عن تلك التبعية الغربية البغيضة . فتعزيز المصلحة الاقتصادية الأمريكية يحظى بالاهتمام الأكبر في سياسات الولايات المتحدة الخارجية.

وتاريخ الرأسمالية الغربية ينضح بمحاولاتها المستمرة لتسخير القانون لحماية مصالحها الطامعة، ولخرق القوانين وتحديها حين تستعصي على التسخير . فإذا علمنا أن أمريكا عانت من أزمة اقتصادية خانقة كما عبر عنها " باتريك سيل " في مقالة في مجلة «العالِم» عدد سبتمبر 2002 بقوله: " تواجه أمريكا أزمة مالية خانقة تأخذ أبعاداً كارثية وقد تكون مقبلة على انهيار اقتصادي كبير مشابه للذي حدث عام 1929" ، يمكن أن نتخيل مدى الانفراج الاقتصادي الذي تناله أمريكا بعد استيلائها على النفط العراقي الذي يشكل ربع مجمل الاحتياط العالمي أو ما يعادل 112 مليار برميل من النفط .

فإذا كان هذا هو مفهوم الديمقراطية المطبقة في أمريكا يمكن لنا في هذه الحالة أن نتصور أسباب إصرار هذه الدولة على تعميم هذا النموذج على العالم بأسره وخاصة على الدول النامية والمتخلفة ، والتي يدخل من بينها عدد كبير من دول العالم الإسلامي والعربي ، ويمكن لنا أيضاً أن نتساءل عن هذه الديمقراطية المطاطة التي تختلف من زمن إلى آخر ، حتى أن هذا الاختلاف قد يقع في الدولة نفسها ، فتارة يكون حاكم هذه الدول نموذجاً مثالياً للديمقراطية ، ويصبح تارة أخرى من ألد أعداء هذه الديمقراطية .

وليس أدل على ذلك مما لقيه روزفلت حينما حاول أن ينقذ سياسته المعروفة بـ " المسلك الجديد " أو "الصفقة الجديدة " عقب انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية عام 1933.

لم يكن هذا المنهج الذي طرحه روزفلت يمس النظام الرأسمالي في جوهره بل كان يقوم على إقرار التأمين الاجتماعي ، وإعانات المتعطلين ، ودعم حقوق النقابات، وإشراف السلطة الفدرالية على المرافق العامة ، وكان روزفلت قبل أن يطالب بهذا المنهج قد وفق في حل الأزمة التي خنقت أمريكا والعالم كله معها ، وهي أزمة 1929، حتى لقب يومئذ بـ " المنقذ العظيم " .

ولكن عندما بدأ يخطو خطوات إيجابية في رفع مستوى العدل الاجتماعي في بلده قاومه أرباب الصناعة والمال أبشع مقاومة ونعتوا منهجه الجديد بأنه ( شيوعية، دكتاتورية، إهانة موجهة للروح الأمريكي والتقاليد الأمريكية)، ونعتوه هو بـ " الرجل الأحمر الذي يتربع في البيت الأبيض " .

فإذا كان هذا هو مسلكهم اتجاه رئيس أمريكي سعي للإصلاح بعيداً عن توجهات أرباب الصناعة والمال، فكيف سيكون توجههم اتجاه دول ربما استشعروا بأن نفوذهم الاقتصادي وسيطرتهم على مقدراتها الاقتصادية قد تبدأ في الذوبان .

فعندما يتحدث الغرب عن تنمية اقتصادية في بلدان عربية فهو يريدها تنمية اقتصادية مقيدة بالنظام الدولي السائد والحدود الموروثة من عهد الاستعمار وهي مشروطة بعدم الوصول حد الخروج عن بيت الطاعة الغربي، وإلا تم تحجيمها وإعادتها إلى نقطة الصفر كما يجري الآن في العديد من البلدان العربية .

وهناك أمثلة كثيرة في العالم العربي على السيطرة الاقتصادية فمنع زراعة القطن طويل التيلة في مصر ، والاستعداد لضرب هذا المحصول في حال رفضت مصر الانصياع للرؤى الاقتصادية الغربية ، وكذلك زراعة القمح التي نجحت في السعودية وبجودة عالية ثم لم تعد السعودية تفكر في إعادة زراعته من جديد ، وكذلك عدم استغلال أراضي السودان المترامية الأطراف والعالية الخصوبة ، ناهيك عن تدمير مصانع حديثة في بلدان عربية أخرى لأنها قد تشكل نواة لصناعات عربية قوية .

كل هذه السياقات التاريخية تؤكد على أن ما يجري على الأرض العربية هو استمراراً لنهج غربي سبق له السيطرة والنفوذ في بلدانه الأصلية تحقيقاً لمصالح فئات اقتصادية متنفذة في تلك المجتمعات في ذلك الوقت والتي أضحت حكوماتها اليوم شريكاً في هذه التوجهات العدوانية من أجل السيطرة الاقتصادية .

في ظل هذه الحقائق التاريخية يتوارد إلى الذهن تساؤل عن مدى توفر الإرادة الحرة لدى القادة والزعماء العرب في خلق توجهات وحدوية قادرة على بسط نفوذها الاقتصادي على مقدرات بلدانها بعيداً عن التنازل عن السلطة ولكن تغليباً لمصالح شعوبها وتحقيقاً لحريتها واستقلالها الاقتصادي .

    

اخر الأخبار