المقاومة الفلسطينية: مشروع وطن أم رؤية فصيل؟

تابعنا على:   11:47 2016-05-26

د.أحمد يوسف

ليس من حق أحد أن يشكك في المقاومة أو أن يطعن في جدواها، فهي إحدى حقائق التاريخ والمنظومة القيميّة للشعوب والأمم، وكل الشواهد تؤكد أن الدول التي عاشت في حقب استعماريّة لم تنل استقلالها إلا من خلال معاركها مع المحتل الغاصب، وأن القوى الاستعمارية لم توقع على وثائق منح الاستقلال، إلا بعد أن دفعت أكلافاً باهظة من جنودها وثرواتها.

ونحن، وقبل تناولنا المقاومة الفلسطينية ومحاولة استشراف مستقبلها، سنجري إطلالة تاريخية على بعض الشعوب والدول، التي رضخت لحالات استعماريّة ومظاهر احتلاليّة، وكيف استطاعت من خلال مقاومتها أن تأتي بالتحرير، وتنال لدولها الحرية والاستقلال.

شواهد التاريخ: في البدء كانت المقاومة

في كل الدول التي تعرضت للاحتلال أو الاستعمار مثل الجزائر وفيتنام وإيرلندا وأفغانستان، كان الكفاح المسلح أو الفعل المقاوم بكافة أشكاله العسكرية أو الشعبية هو الذي تنعقد في نواصيه الحلول والتسويات..

لم نشهد عبر التاريخ الإنساني شعوباً تحررت من ربقة الاستعمار أو الاحتلال بدون مقاومة مسلحة، تعقبها أو تتزامن مع صعودها مفاوضات لترتيب الرحيل وإنهاء الاحتلال.

فالمقاومة بأشكالها المختلفة، والعسكريّة منها على وجه الخصوص، هي من تجبر الاحتلال - بعد تمريغ أنفه في التراب - على الجلوس على طاولة المفاوضات، وتغيير مفردات التهديد والوعيد بالتفاهم على ترتيبات الرحيل.

والشواهد على ذلك كثيرة، وسنورد بعضاً منها...

ففي الجزائر، وبعد 130 سنة من الاستعمار أو الاستدمار الفرنسي، وأكثر من مليون ونصف المليون شهيد سقطوا من أجل أن تحيا الجزائر، ورحيل فرنسا – جيشاً ومستوطنين – عن تراب وطنهم الغالي، كانت المقاومة المسلحة هي من جاء بفرنسا إلى طاولة المفاوضات، بهدف ترتيب أوضاع انسحابها من هناك. وكانت اتفاقية إيفيان، التي أعادت للجزائر استقلالها، بعدما أدركت فرنسا أن كلفة احتلالها باهظة، واعترفت في النهاية بأن "الجزائر للجزائريين". لقد روى لي المجاهد عبد الحميد مهري؛ رئيس جبهة التحرير الجزائرية، في لقاء خاص في بيته عام 2005، أن فرنسا كانت تناشد الوفد الجزائري المفاوض أن يوقفوا المقاومة المسلحة حتى تنجح المفاوضات، فيقول (رحمه الله) كان جوابنا لهم: لن تتوقف المقاومة، إلا مع خروج آخر جندي فرنسي من البلاد.

في فيتنام، كانت ضربات "الفيت كونج" الموجعة للجيش الأمريكي، هي من جاء بأمريكا إلى طاولة المفاوضات في باريس، والتي استمرت لمدة سبع سنوات، وكان كيسنجر رئيس الوفد الأمريكي المفاوض يقول: لقد أذلنا الفيتناميون.. ورضخت أمريكا للكثير من شروط الانسحاب المهين، بسبب نجاحات المقاومة وتماسك فصائلها.

في إيرلندا، وبعد ثمان قرون من الاحتلال البريطاني للبلاد، تحرك الجيش الجمهوري الإيرلندي؛ عصب المقاومة المسلحة، وأذاق بعملياته العسكرية النوعية القوات البريطانية هناك الكثير من صنوف العذاب وصور الإهانة، الأمر الذي اضطرت معه بريطانيا لطلب التفاوض ومنح إيرلندا جزءاً من استقلالها، وما تزال هناك ست ولايات أخرى يجري التفاوض حولها. نعم؛ لولا مقاومة الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) والذي طالت ضرباته وعملياته العسكرية العديد من المدن البريطانية وخاصة لندن، لما نالت إيرلندا استقلالها حتى اليوم، ولما كانت اتفاقية الجمعة المباركة (Good Friday)، التي وضعت معها الحرب أوزارها، وأنهت الصراع الطويل فيها.

في أفغانستان، اضطر السوفييت للرحيل بعد عشر سنوات بعدما واجهوا مقاومة مسلحة أنهت أحلامهم في الوصول عبر أفغانستان إلى المياه الدافئة في الخليج. وقد سمعت من قادة المقاومة هناك عام 1983 أن السوفييت سيهزمون، ويولون الدبر بعد عقد من الزمان، وهذا ما حصل، حيث دخلوا في عام 1997، وخرجوا أذلة في عام 1998، لينهار بعدها الاتحاد السوفيتي، والفضل في ذلك يرجع للمقاومة الأفغانيّة والمجاهدين العرب، الذين وفدوا بالآلاف من كل فجٍّ عميق للقتال إلى جانب إخوانهم المسلمين في بلاد الأفغان.

وتأسيساً على ما سبق، فإنه لا تحرير ولا استقلال بدون ذراعٍ ضارب للمقاومة، أما شكل هذه المقاومة وقوتها التأثيرية "عنفية أو لا عنفية" فهي مسألة تخضع لاعتبارات الجيوبولتيك، ولطبيعة الصراع ومكانته في علاقات الدول الإقليميّة والدوليّة، وهذا ما سنتناوله في حديثنا عن المقاومة الفلسطينية، ومستقبل الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

المقاومة الفلسطيني: من الكلمة والحجر إلى الطلقة والسكين

عمر النكبة الآن هو 68 عاماً، وأما حالة الاحتلال التي عايشناها بعد نكسة 67 فهي حوالي 49 عاماً، خلال هذا المشوار الطويل خاض الفلسطينيون كفاحاً مسلحاً تفاوتت فعاليته وعناوينه من جيل لآخر.

وإذا أردنا أن نبدأ بانطلاقة حركة فتح وقيام منظمة التحرير الفلسطينية وبالرئيس أبو عمار (رحمه الله)، وتجاوز بعض محطات النضال الأخرى لمحدودية تأثيرها وتسريع انتقالنا إلى الحالة التي تعيشها المقاومة الفلسطينية اليوم، فهذا سيأخذنا إلى المشوار الطويل الذي قطعته المقاومة الفلسطينية وحركة فتح للوصول للحالة التي عليها السلطة الوطنية، والتي تشكلت بعد اتفاق أوسلو في أغسطس 1993.

بالطبع، لم تتحقق هذه الخطوة لولا نجاح المقاومة في فرض معادلتها على الآخرين، وشعور المحتل الإسرائيلي بضغوطات الفعل المقاوم، والذي ترتب عليه استعدادها لتقديم تنازلات تنسجم مع متطلبات حالة التسوية، التي أرادها الفلسطينيون، وباركها المجتمع الدولي، وشجعت عليها بعض دول المنطقة مثل مصر والأردن.

في ظل هذا الواقع الجديد الذي تمَّ تشكيله بعد اتفاق أوسلو، وخيبة أمل الفلسطينيين في تحقيق حلمهم في إقامة دولتهم الحرة المستقلة، كما كان التعهد الغربي لهم.. بدأت تلوح في الأفق رغبات الفلسطينيين في العودة من جديد إلى ممارسة الكفاح المسلح والفعل المقاوم، وعدم الركون إلى لوعود الكاذبة، التي سرعان ما تخلت عنها أمريكا، وتنكر لها المجتمع الدولي.

صحيحٌ؛ أن حركة المقاومة الإسلامية حماس ظلت منذ انطلاقتها في ديسمبر 1987، يدها على الزناد، وطورت وسائلها القتالية لتكون رديفاً لما يجري على الساحة السياسية، فارتقت من كتابة البيانات المحرضة على الاحتلال، إلى الكتابة على الجدران بالشعارات التي تدعو إلى الثورة في وجه المحتل الغاصب، كما شاهدنا ذلك في انتفاضة أطفال الحجارة، والتي استمرت في سلميتها حتى مجيء السلطة الفلسطينية، وعودة الأخ القائد أبو عمار، وآلاف المقاتلين إلى ربوع الوطن في عام 1994.

وعندما وصل الفلسطينيون إلى قناعة بأن الاحتلال يماطل في دفع الاستحقاقات التي عليه، لجأوا مرة أخرى إلى حمل السلاح، وكانت انتفاضة الأقصى عام 2000، التي شارك الجميع فيها ببندقيته.. ربما أثمرت هذه الانتفاضة المسلحة بتحريك الجهود الدبلوماسيّة من جديد، وانتهى الحال بخروج الاحتلال من قطاع غزة، وكان الإنجاز الذي لم يختلف عليه الكثيرون، هو أن صاحب الفضل في ذلك الرحيل المهين لعسكر الاحتلال، هو للمقاومة الفلسطينية، والإسلامية فيها على وجه الخصوص.

لم تتوقف المقاومة المسلحة في الضفة الغربية إلا بعد تصفية ياسر عرفات (رحمه الله)، لتظهر لنا بعده مفردات جديدة تدين المقاومة وتتهمها بالعبثية!! وتطرح مفاهيم أخرى حول المقاومة اللاعنفية، وهي أسلوب نضالي نجح في بعض البلدان، ولكن بعد سنوات من المقاومة المسلحة كما شاهدنا في الهند وجنوب أفريقيا.

مشهد الخيارات: جدلية المقاومة والمفاوضات

إن نظرة فاحصة للمشهد لا تبعث على الاطمئنان، إلا من ناحية أن المقاومة في قطاع غزة نجحت في إظهار قدرتها على الصمود في وجه جيش الاحتلال، وأنها عصية على الكسر، وأن التفكير في إعادة احتلال القطاع هو عملية تستدعي التوقف لدى المؤسسة العسكريّة في إسرائيل، حيث إن الحالة الجهاديّة واستعدادات التضحية، وقدرات المقاومة على المفاجأة في الميدان، تعني الكثير من الخسائر التي هي خارج حسابات إسرائيل.

لا شكَّ أن إمكانيات المقاومة قد تطورت كثيراً، وحالات الجهوزية لصد العدوان عالية، ولكن هذا لا يعني أننا وحدنا سنهزم إسرائيل؛ لأن هذا الصراع الذي يمتد عمره مائة عام، يتطلب إمكانيات الأمة التي وضعت فلسطين ضمن أولوياتها، وجعلتها قضيتها المركزية، وهذا يعني أننا وحدنا لسنا أكثر من قوة تتقدم الصفوف في ظل رؤية استراتيجية للتحرير والعودة.

لقد تربينا في الحركة الإسلامية أننا كشعب فلسطيني نمثل بمقاومتنا "رأس النفيضة"، أي مقدمة الرمح ونصله، وأننا "حجر الزاوية" في إبقاء جذوة الصراع قائمة، وإشغال العدو حتى لا يتغول بسياساته التهويديّة والاستيطانيّة على ابتلاع الأرض والمقدسات.

اليوم في ظل واقعنا المشهود إقليمياً ودولياً، حيث انشغلت الأمة العربية والإسلامية في تحالفات سياسية واصطفافات أمنية يمكر بعضها بالبعض الآخر، وانفتحت جراح أدمت بنزفها شعوب المنطقة جميعاً، واستنزفت طاقاتها وثرواتها، وغيَّرت مسار أولوياتها، بحيث تراجعت قضية العرب والمسلمين الأولى؛ أي القضية الفلسطينية، على أجندة الرسميات الحاكمة وصنَّاع السياسة بالمنطقة، وأيضاً في اهتمامات الشارع العربي بشكل خاص.

المشهد اليوم هو أقرب لحالة "يا وحدنا"، فهل نعطي إسرائيل الذريعة لأن تصيب فينا بتفوقها العسكري مقتلاً؟ أم تستدعي الحكمة استخدام "فلسفة التخذيل"، واعتماد سياسة "سد باب الذرائع" ، بهدف قطع الطريق أمام أي عدوان جديد تنفرد فيه بقطاع غزة؛ المكلوم والموجوع، والذي يئن ويتوجع بسبب حالة الحصار الظالم المفروض على القطاع منذ عشر سنوات تقريباً، كان فيها لبعض دول أمتنا العربية – للأسف – يدٌ ورغبة.!

ومن الجدير ذكره، أن المفاوضات غدت عبثية ولا طائل من ورائها بعدما أجهضتنا المقاومة المسلحة، وكسرنا شوكتها في الضفة الغربية، وتعلقنا ببعض مظاهر الاحتجاج اللاعنفي في نعلين وبعلين بشكل مسرحي؛ لا يهز الاحتلال، ولا يدفعه لتغيير سياساته، والتفكير بطرح بدائل منها الانسحاب من الضفة الغربية مثلاً.

في ظل هذا الواقع المأزوم فلسطينياً بسبب الانقسام وتشظي الحالة السياسية بين فتح وحماس، وغياب الأمة عن مشهد الصراع مع إسرائيل، ما هو مستقبل المقاومة؟

هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى دهاقنة السياسة والعسكر في فلسطين ليضعوا تصوراً له.

المقاومة الفلسطينية: ملحمة البطولة ولحن الخلود

قد يكون لدينا في ساحتنا الفلسطينية حوالي خمسون ألف مقاتل، تنتمي إلى مختلف فصائل العمل الوطني والإسلامي، والذراع الضارب اليوم منها يعود إلى كتائب القسام وسريا القدس، وهؤلاء هم من يمتلكون قدرات قتاليّة كبيرة، ولديهم ما يمكن أن يوجع إسرائيل ويجعلها تجلس على طاولة المفاوضات.

لكن، وهذه حقيقة يجب أن يعرفها الجميع، أن المقاومة هي أداة من أدوات الصراع مع المحتل، وليست وحدها من يأت بالحل، وإن كانت هي من أقوى الأدوات وأنجعها. فالمقاومة تأتي في سياق رؤية استراتيجية لكيفية التعامل مع المحتل الغاصب، والحكمة هي في طريقة توظيفها، فالضفة الغربية مثلاً قد تجدي فيها المقاومة اللاعنفية وبعض أشكال الانتفاضة، كتلك التي نشاهدها حالياً في القدس، والتي تجد لها تعاطفاً كبيراً بين أهلنا في الداخل والخارج، ويتفهم العالم بواعثها، والدافع من لجوء الشباب إلى أساليب الدعس والطعن بالسكين.

أما تطويرها لعمل عسكري، كما كان سائداً في التسعينيات، ربما يمنح إسرائيل الذرائع لطرد السلطة، وإعادة بسط سيطرة الجيش على كل شبرٍ فيها. لذلك، تأتي النداءات لدعم انتفاضة القدس، والاتفاق على رؤية وطنية لتطويرها هي مطلب الجميع في فصائل العمل الوطني والإسلامي، ولكن حالة الانقسام القائمة داخل الساحة الفلسطينية تجعل هذه النداءات مجرد صرخات في الهواء، ومجالاً للاستخفاف والتندر بالقول: "لقد أسمعت لو ناديت حياً".

وبناءً عليه؛ فإن مستقبل المقاومة في الضفة الغربية مرهون بالمصالحة وإنهاء الانقسام، واتفاق الجميع في ظل الشراكة السياسيّة لطبيعة الفعل المقام، الذي يمكن القيام به للحفاظ على جذوة الصراع متقدة، وقادرة على كسب التأييد والنصرة والتضامن في الساحات الإقليميّة والدوليّة.

أما في قطاع غزة فالرواية لها رؤية أخرى مغايرة، وهي متعلقة بمدى صحوة الأمة وعافيتها.

إن علينا أن نعقل ونتعقل، ونفهم ونتفهم، بأن إمكانية الفعل خارج جهد الأمة هي عملية انتحارية بامتياز، وهي مغالبة لنواميس الحياة. نعم؛ نحن ندرك بأن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة قد أثبتت أنها قادرة على التصدي للعدوان في أكثر من مواجهة موسعة معه أخذت شكل الحروب؛ كما في "الفرقان" و"حجارة السجيل" وأخيراً "العصف المأكول" عام 2014، والتي نجحت فيها المقاومة بمباغتة الجيش في عقر داره بعمليات نوعية، كتلك التي جرت في زكيم ونحل عوز وأبو مطيبق، ولكن هذه العمليات تظل محصورة بجهد الاستطاعة، الذي اجتهدت فيه المقاومة في فترة الإعداد والاستعداد للمواجهة. ولكن الحرب الموسعة على القطاع تحتاج إلى مدد دائم، وحشد واسع لطاقات الأمة، وتحريكها إذا ما تغولت إسرائيل في عدوانها.

إن غزة تدرك بأن معركتها القادمة صعبة في ظل الانقسام، وتداعي الأمم على قصعة دولنا المتحاربة، ولذلك هي تعمل على نزع فتيل أي تصعيد يريد فيه العدو فرض مواجهة لا نريدها أو نطلبها، وقيادة المقاومة بمستوياتها السياسية والعسكرية تدرك بأن إسرائيل تريد أن تجرها لمعركة ساحتها مكشوفة من أي غطاء دعم عربي أو إسلامي، ولذلك هي تتوخى الحذر.. ولكن، رسالتها واضحة؛ نحن لا نريد الحرب، ولكن إذا فرضت علينا فإنها ستكون دامية، وستدفع إسرائيل ثمناً باهظاً لعدوانها.

باختصار: المقاومة الفلسطينية هي أحد أدواتنا في الضغط على المحتل الغاصب، وجعل كلفة احتلاله لا تطاق، ويجب أن يتمَّ توظيفها بحكمة وبتوافق وطني، وهي جانب قوي ومؤثر وفاعل يكامل ما تقوم به السلطة من جهد دبلوماسي وتحركات سياسية، لإجبار إسرائيل على الانسحاب، وتحقيق حلمنا في دولة فلسطينية حرة مستقلة، ستتوسع حدودها مع تعاظم قدرات الأمة، وإمكانياتها في الحضور داخل الخريطة الدولية للشعوب والأمم.

اخر الأخبار