قصة قصيرة : " الهاتف " !! (د. عبد القادر فارس)

تابعنا على:   17:27 2016-05-25

من مذكرات فدائي

انقطعت أخباره , ولم يعد يتمكن من الاتصال بالأهل , فالهاتف في حكم المستحيل , حيث لا اتصالات بين الدول العربية والأراضي المحتلة , حتى العائدون بعد زيارة للأردن إلى قطاع غزة , لن يتمكن من مقابلتهم أو التواصل معهم , فالحرب الدائرة بين الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين تشتد وتتصاعد في كل المناطق , وخاصة العاصمة عمّان حيث التواجد المكثف لفصائل المقاومة الفلسطينية وقياداتها .. الهجمة كبيرة وتم التحضير لها جيدا بعد أن تم التمهيد لها محليا وعربيا ودوليا في الخريف الأسود .. الأيام تجري دون أي خبر يصل للأهل يطمئنهم بعد أن أعلن وقف اطلاق النار بين المتحاربين , الحزن يخيم على الجميع , حيث أنهى مؤتمر القمة بالقاهرة اجتماعاته للتو , معلنا عن اتفاق بخروج الفدائيين الفلسطينيين من كافة المدن الأردنية , وتجميعهم في مناطق أحراش وجبال جرش وعجلون , وبينما يأخذ الجميع استراحة المحارب بعد أيام عصيبة وقتال عنيف بات يعرف للجميع بمجزرة أيلول الأسود , كانت الخسائر فيه كبيره , وبينما يتحضر الفدائيون للانتقال إلى المناطق التي حددها اتفاق قمة القاهرة , انقطع الارسال الطبيعي لإذاعة القاهرة وصوت العرب .. مانشتات عسكرية .. صوت المذيع الذي كان يذيع النشرة الاخبارية المتابعة لنتائج القمة يعلن فجأة عن قطع النشرة , بينما تعلن كافة الاذاعات الأخرى من جمهورية مصر العربية عن بيان هام بعد قليل .. تجمهر الجميع حول أجهزة الراديو , التي كانوا يتابعون منها أخبار وقف النار في الأردن , واتفاق خروج الفدائيين من المدن للأحراش والجبال .. ما الذي حدث في القاهرة يا ترى ؟! هل فشل الاتفاق ؟ هل عاد المتقاتلون للاقتتال من جديد .. ويأتي صوت المذيع من بين المانشتات العسكرية : نائب رئيس الجمهورية محمد أنور السادات يلقي عليكم بيانا هاما .. تجمد الجميع في مكانه , التوقعات تشاؤمية .. السادات بصوته الجهوري يعلن : " فقدت الجمهوريه العربيه المتحده وفقدت الأمه العربيه وفقدت الانسانية كلها رجلا من أغنى الرجال , رجلا من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال هو الرئيس جمال عبد الناصر الذي جاد بأنفاسه الأخيره في الساعه السادسه والربع من مساء اليوم 27 رجب عام 1390 الموافق 28 سبتمبرر 1970.. ليس هناك كلمات تكفي لعزاء جمال عبد الناصر.. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. ".. انهار الجميع .. بكاء صامت من البعض , واجهاش وأصوات نحيب من آخرين .. المصائب لا تأتي فرادى : ألم تكف المجزرة والخسائر بالمئات بل والآلاف في هذا الأيلول الأسود , ألا تكفي الهزيمة وخروج الفدائيين من معسكراتهم وقواعدهم .. يا لها من أيام سوداء .. الحزن يلف الجميع , وبعد ثلاثة أيام بدأ تطبيق الاتفاق , وبدأ الرحيل .. شرع الفدائيون في ترتيب أوضاعهم الجديدة في أحراش جرش وعجلون , غير أن المؤامرة بدأت تتكشف .. الحصار يشتد على قواعد الفدائيين الجديدة .. الاستفزازات والاحتكاكات تتزايد , عمليات القصف المدفعي تصل جبال وأحراش جرش وعجلون .. التحضير لاستكمال المؤامرة يتصاعد .. القلق عند الأهل يتصاعد ..لا خبر يصلهم عن ابنهم , هل بات من الشهداء في أيام الحزن السوداء , التي يبدو أنها ستتواصل , لكن الأمل يحذوهم أن يكون بين من انتقلوا من عمّان إلى الأحراش.. الأوضاع تتدهور بسرعة .. الهجوم على قواعد الفدائيين يبدأ بشراسة .. المطلوب الآن القضاء على الوجود الفدائي في الأردن .. اتفاق القاهرة مات بموت الرئيس عبد الناصر .. النداءات لوقف الحرب لا تسمع مع أصوات المدافع .. المعركة الغير متكافئة تحسم في أيام قليلة , شهداء وجرحى ومعتقلون وفارون إلى الحدود السورية والاسرائيلية .. ما مصيره يا ترى .. هل هو من بين الشهداء , أم الجرحى , أم الأسرى , هل تمكن من الوصول إلى سوريا .. الهواجس تجتاح الأهل في غزة .. وجاءهم الخبر الأسود من أحد رفاق ابنهم : لقد دفناه هناك كان من بين الشهداء في قبر جماعي .. وقريب لهم يعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني يغير الرواية , لقد وصل إلى سوريا جريحا بجراح بالغة.. الأطباء لم يتمكنوا من انقاذه , وشاهدته جثة مشوهة في ثلاجة مستشفى المواساة بدمشق , بعد أن تم نقله من مستشفى يافا , لعدم وجود مكان في ثلاجتها .. سلّم الأهل الأمر لله .. احتسبوه عند الله شهيدا , وبات الحزن يلف الجميع .. أقاموا العزاء لثلاثة أيام .. غير أن الأمل لدى الأهل ظل قائما .. لعله يكون من المفقودين , لعل رفاقه شكوا في جثته المشوهة .. تمضى الأيام والشهور ثقيلة دون خبر .. وفي ليلة من الخريف الموالي ومنع التجوال يلف القطاع في ظل عمليات المقاومة التي كان الفدائيون فيها يسيطرون على قطاع غزة ليلا , بينما يسيطر عليه جيش الاحتلال نهارا .. الساعة تشير إلى الحادية عشرة قبيل منتصف الليل .. نداء وصراخ عليهم من قريب لهم يبعد بيته عن بيت أهلة بنحو عشرين مترا.. لكن الوقت متأخر والكل نيام في منع التجول .. تجازف إحدى قريباته الصبايا , تقطع الشارع رغم منع التجول .. تقرع الباب بشدة .. يستيقظ الأهل في حالة خوف شديد .. إنهم الجيش الاسرائيلي .. ماذا يريدون ؟! ويجيئ الصوت الرقيق أنا "بشرى" ابنة عمكم , "منتصر" بخير ولم يستشهد .. هو الآن في سوريا .. كان معتقلا في السجون الأردنية , وأبعد إلى سوريا منذ يومين , اخبرنا بذلك أخي "بشير" بالهاتف من بلغراد , بعد أن اتصل به منتصر من دمشق .. نزل الخبر على الجميع بكل البشرى وهم غير مصدقين.. انهارت الأم وفقدت وعيها .. سجد الأب على باب الدار شاكرا لله وقد تعفر جبينه بالتراب , وبللت دموعه عتبة المنزل .. الدموع في عيون الاخوة والأخوات فرحا .. في صباح اليوم التالي انتشر الخبر لدى جميع الأهل والجيران .. تبدلت الأحزان بالأفراح .. المهنئون يملؤون الدار , والاخوة يوزعون الحلوى , وزغاريد الأم التي أفاقت من غيبوبتها تملأ المكان .. يا الله ما أكرمك .. هل سنشاهده مرة أخرى .. هل سيعود الينا في يوم من الأيام .. الحمد والشكر لله , وشكرا للهاتف , وشكرا لك يا بشرى الجميلة , يا حاملة أجمل بشرى رغم منع التجول!!.

اخر الأخبار