رحلة الشهيق - 2 (الدكتور محمد بكر البوجي )

تابعنا على:   20:43 2016-05-24

في اليوم الثاني من وجودنا في رام الله للمشاركة في معرض الكتاب الفلسطيني الدولي كانت ندوة شعراء غزة في حضرة متحف محمود درويش الشاعر الحاضر الغائب, ذهبنا مساءً حيث المكان المهيب على سفح جبل مرتفع , تجد نفسك أمام درج عرضه حوالي ثلاثين متراً من الرخام الفاخر ,عليك أن تصعد درجات قد يصل مداها إلى أكثر من مئة درجة , صعدنا ولم نشعر بغير الارتياح لأن عيوننا تسبق خطانا نحو الأصدقاء المنتظرين قدومنا , منهم الشاعرة الكبيرة الرائعة آمال عواد رضوان والكاتبة الروائية فاطمة ذياب اللتان حضرتا خصيصاً من شمالي فلسطين 48 لحضور الندوة ورؤيتنا , نحن أصدقاء على الفيس لكن أن نشاهد بعضنا وجهاً لوجه في حضرة الدرويش هذا أمر كان مستبعداً ! كذلك حضر سعادة وكيل وزارة الإعلام الدكتور محمود خليفة الذي جاء أيضاً خصيصاً لرؤيتنا وسماعنا , لم أشعر كيف صعدت الدرجات بسرعة دون الاحساس بغير الفرحة والنشوة , التقطنا الصور التذكارية مع معظم الحضور , حضر سعادة الدكتور إيهاب بسيسو وزير الثقافة , كان ودوداً مع الجميع , يصافح ثم يمشي واثق الخطى , جاء ليسمع شعراً قادماً من قلب الصندوق , ليسمع كيف جاءوا بفرحة ودهشة بعد غياب اللقاء , دخلنا القاعة المعدة لنا , بهو كبير يحتوي على لوحات فنية من إبداع شبان من كل أنحاء فلسطين , تعبر عن مراحل تطور القضية الفلسطينية , ثم تصل القاعة لتجد اسم الدرويش وتوقيعه على خلفية كنا نراها على شاشة التلفزة , الآن نحن أمامها وجهاً لوجه إنك أمام لوحة شعرية في تصميمها , بدأ الندوة الشاب الوسيم الشاعر سامح خضر يقدم للحضور الشاعر ابن خانيونس ياسر الفقعاوي الذي بدا منتشياً فكان أداؤه أروع مما تتخيل , ألقى على مسامعنا أشعاراً غاية في الجمال والحبكة اللغوية والصورة الشعرية التي أدهشت الجميع , كان أداؤه مع حركة الوجه واليدين فوق العادة , وقد صفقت له القاعة عدة مرات , شاهدت وكيل وزارة الإعلام الدكتور محمود خليفة يصفق بحرارة للشاعر ياسر الفقعاوي . ثم جاء دور الشاعرة البدوية كفاح الغصين كانت وقفتها تكفي وابتسامتها تشد الجميع , قالت شعراً بدوياً وشعراً فصيحاً , كان الحضور يقاطعها بالتصفيق الحاد في كل مقطع تنشده , غادرت كفاح المنصة بناءً على طلب من عريف الحفل والجمهور يصفق لها بحرارة ويطالبها بالمزيد . ثم قدم عريف الحفل شاعرنا الشاب الكبير الرائع بمعنى الكلمة إنه ناصر عطا الله , حقيقة كنت متوجساً خيفة عليه لأن يلقي شعراً بعد الشاعرة كفاح الغصين , وقد شاركني هذا التوجس سعادة وزير الثقافة عندما تهامسنا , لكن يبدو أنني كنت مخطئاً , وقف شاعرنا ناصر عطا الله بهي الطلعة والحضور بابتسامة جذبت الجميع نحوه وألقى قصيدته الأولى , كان متألقاً حد الدهشة في طريقة إلقائه المتميزة وصوره الشعرية المكثفة كان غاية في الروعة , كانت قصيدته آسرة للجميع حتى أنه أنسانا من سبقه من الشعراء , حقيقة لأول مرة أكتشف هذه الموهبة الشعرية التي قد تكون في المستقبل لها شأن وقامة . أخيراً جاء دور الشاعر هشام أبو عساكر ذلك الشاب الذي حاز على جائزة المرتبة الأولى في المنتدى الثقافي العربي في معرض الكتاب , جذبنا منذ الوهلة الأولى كان رائعاً وراقياً شاب في مقتبل العمر يصيغ قصائده بهذه الفنية العالية هذا أمر رائع ! مما دفعنا للتصفيق له كثيراً وكان سعادة وزير الثقافة يجلس بيننا وتبدو عليه علامات السعادة والبهجة لما سمع . حقاً إنها ندوةً من أروع ندوات العمر كان الحضور طاغياً امتلأت القاعة , كان الوقوف كثيراً , كلهم جاءوا ليشاهدوا وليستمعوا إلى غزة , وكما قال لي أحد النقاد الحضور لم أكن أتوقع أن غزة تمتلك تلك الطاقات الشبابية المذهلة . ثم بدأ الحضور التقاط الصور مع شعراء غزة , وقد طال الوقوف بعد الندوة لأكثر من ساعتين , ترى رام الله ليلا بأضوائها ومعالمها وشوارعها وحركتها التي لا تنام , لا ترغب في الفراق أو النزول أنت في حضرة الدرويش وفي حضرة دراويش غزة وكبريائها وقدسية الشاعر والكلمة وصدقها. و أنا لا زلت في حضرة دراويش غزة , في العاشرة مساء هاتفتني الصديقة الشاعرة حنان عواد ابنة القدس , لنلتقي الآن , بعد فراق طويل , ذهبت مسرعا بالسيارة إلى مكان اللقاء , هي هي كما تركتها قبل عشر سنوات , لم تتغير , جميلة , صوتها طفولي حنون , فيها عبق القدس والملبن أيضا , إنها سفيرة الزعيم ياسر عرفات المتنقلة بين أدباء العالم ثم تأتي بهم ليلتقوا الزعيم , كان لقاء حميميا ,لم تفارقنا الابتسامة والضحك , تحدثنا عن كل شيئ وفي كل التفاصيل التي مررنا بها فترة الغياب , أنها تعشق غزة وبحرها وشوارعها وناسها الطيبين من قبل , بقينا حتى منتصف الليل . كانت ليلة أدبية من أروع ليالي العمر . حفظ الله فلسطين وشبابها من كل شيطان كذوب .

اخر الأخبار