على هامش النكبة:فلسطين وحافة التاريخ

تابعنا على:   14:06 2016-05-23

محمود الصباغ

شكّل إن استيطان الأرض و تشريد الشعب ,بوصفهما أحد المضامين الأساسية للنكبة, -وما

زال على الدوام يشكل استحضارا مأساوياً للقرار الشهير 194 ,لاسيما البند الحادي عشر منه و الذي يخص بالقول بأن اللاجئين" الذين يريدون العودة إلى منازلهم و العيش بسلام مع جيرانهم يجب أن يسمح لهم بالعودة في أقرب وقت عملي ممكن و أن يدفع التعويض عن الممتلكات لهؤلاء الذين يقررون عدم العودة أو للضرر في الممتلكات و فقا للقانون الدولي" .و لا يخفى على أحد أن إسرائيل وافقت عليه كشرط لقبولها في الأمم المتحدة في حين رفضته الدول العربية-آنذاك- .

الملفت في الأمر أن هذا القرار –المرفوض عربيا وقت صدوره- أصبح مع مرور الزمن,لاسيما بعد حرب 1967, حجر الزاوية في أي مفاوضات مع إسرائيل و بات بمثابة رافعة أساسية لتحصيل "حقوق اللاجئين" مقابل تعنت إسرائيل الرافض لمضمون القرار-و الذي كان مقبولاً لها وقت صدوره-و حاولت إسرائيل و ما زالت تحاول إعطاء تفسيرات متعددة ذات طابع تلفيقي في معظمها لهذا القرار من خلال التنكر لمسؤوليتها عن أي دور لها في النكبة و ماتبعها من مآسي متلاحقة للشعب الفلسطيني و التأكيد على أن عبارة " يجب أن يسمح لهم" الواردة في القرار لا تمثل التزاما مطلبيا لها بقدر ما تمثل موقفاً يستند إلى الإرادة و الرغبة الإسرائيليتين مما يوحي-عرضا-بإمكانية خلق بدائل مريحة يصب في مصلحتها , كما تم إضافة عبارة "العيش بسلام" لنص القرار باعتباره شرطاً لازماً لتنفيذه , و حيث أن الدول العربية أو جزء كبيرا منها لا تعترف بإسرائيل و "بحقها في الوجود" , فإنها-أي إسرائيل – تجد نفسها في حلٍّ من التزاماتها الدولية حتى اتجاه "مواطني الدولة من غير اليهود" و الذين تتعامل معهم إسرائيل " كفائض قيمة أخلاقي " . وهذا ما يعبره عنه في حقيقة الأمر التوجه السياسي لأي حكوم+*ة إسرائيلية المتجاهل كليا لقضية اللاجئين في أية مفاوضات مقبلة لاجتراح تسوية "مقبولة" محتملة عبر استراتيجيات تمارس على الأرض و البشر في فلسطين التاريخية بشقيها"الأربعيني " و الستيني" , و يتجسد عمليا بالإرهاب اليومي و التحيز العنصري الذي يمارس ضد الأرض و البشر على كلا جانبي الخط الأخضر كهاجس يحكمه وهم "أوشفيتز" ( أن تكون يهوديا, يعني أن تكون مهددا دائما) مشرعنا بذلك للعدوان و الإرهاب المنظم و القتل الممنهج كجزء من الحياة اليومية استنادا إلى فهم إيديولوجي يفترض إبقاء اليد على الزناد تأكيدا على أن حرب 1948 لم تنته بعد ,كما عبر عن ذلك يوئيل ماركوس في هآرتس 2/6/2006 م. " إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لم يمر عليها يوم طيلة وجودها من دون عمل حربي " و لذلك فإن السلام مع العرب غير ممكن ,و لا يوجد "شريك حقيقي للسلام" ، و إن كان لا بد من السلام "معهم" فيجب أن يكون بعد هزيمتهم بما يعبر بصورة فظة عن جوهر البرجماتية الإسرائيلية القائلة بأن شرط السلام إسرائيلياً لا يعني بأحد معانيه التنازل بالضرورة بقدر ما يعني قبول العرب وجودياً بإسرائيل,وهو ما يراهن عليه العقل السياسي في إسرائيل والمحتمل حدوثه في أي وقت ،حيث كف العرب ,رسميا,منذ زمن ليس بقصير عن التفكير في الحرب و استبدلوا مقولة "القضاء على إسرائيل" بمبادرة قائمة منذ سنوات لم تكلف إسرائيل نفسها عناء قراءتها و سيزداد انحدار خط التنازل العربي هبوطا ربما إلى مستوى التغاضي عن مقولة"الأرض مقابل السلام" في حال تعهد إسرائيلي بعدم الاعتداءعلى أي من هذه الأنظمة ،علما أن العرب تبنوا المقولة السابقة و التي هي مقولة أمريكية دون أن يتنبهوا إلى أن إسرائيل حتى الساعة لم تقل كلمتها بعد بشأنها,ويؤيدها في ذلك الموقف الأمريكي المحافظ الذي يقسم العالم بعبارات موغلة في العنصرية إلى محورين للخير والشر يغذيه موقف توراتي متعصب وعنصري ضيق الأفق يحمل في طياته مسوغات الدعم اللامحدود لإسرائيل ويتيح لها مكانة مميزة ودوراً هاماً في حربه المعلنة"ضد الإرهاب".

و إذ نجحت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بحرف بعض جزئيات الصراع عن مساره الحقيقي نسبيا إلى صراعات دينية و مذهبية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن فإنها نجحت أيضا في تليين مواقف الدول العربية " المعتدلة"-و هي اللينة أصلا -لقبول الحل الأمريكي/الإسرائيلي بما يؤمن تأبيد إسرائيل في المنطقة تنفيذاً " لوعد إلهي " قياساً على وعد بلفور ،و لن يحاسٓب أحد على الخيانة إلا باعتبارها وجهة نظر ليس إلا, و لا يهم إن كانت هذه الدول المعتدلة ديمقراطية أم لا " فقد يكونوا أوغادا , و لكنهم أوغادنا نحن " كما عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون في سياق وصفه للأنظمة الديكتاتورية التي تدعمها أمريكا .

إن المراقب للمشهد الفلسطيني لا يمكنه أن يكون متفائلاً فالهزائم المتكررة للحركة الوطنية الفلسطينية منذ أحداث ايلول 1970 إلى سلسلة المذابح في لبنان 1982 وصولا إلى الفشل الذريع لأوسلو عكست تفاعلا سلبيا بين العامل الفلسطيني و محيطه العربي الرسمي وأوجدت لدى الفلسطينيين شعوراً راسخاً بأنه ليس بوسعهم إلا الاعتماد على النفس وأنه يتوجب مجابهة الاحتلال ولو بالحجارة فقط .لقد آل الوضع الفلسطيني الرسمي إلى وضع يتسم بالعجز المزمن ،إذا يتضح بجلاء أنه لم يعد قادر على فرض وتحقيق ولو الحدود الدنيا لبرامجه حرباً أم سلماً .وهذه ما يجعلنا نستعيد محاولات بعض القوى والجبهات في إلصاق طوابعها"الثورية" على الانتفاضات الفلسطينية ،بل، بلغت البلاهة بالبعض إلى درجة الإدعاء بتحديد تاريخ مسبق لعمل مقاوم هنا أو هناك أقروه هم بالذات ،فعلاوة على إمكانية الدحض الجدلي لهذا الإدعاء فإن أقوال هذا البعض يحمل من التناقضات ما يمكن وصفه بأنه يجمع ما بين ركاكة غايته وهزال مزاعمه .

ما يتم التحضير له أمريكيا و إسرائيليا لن يخرج في إطاره العام عن المشهد الافتتاحي الذي بدأه المشروع الصهيوني منذ قرن أو يزيد ،لكنه الآن يتلون بصبغة أمريكية ،فحشر تاريخ أمم و شعوب المنطقة و اختصارهم في "ميديسين مان" عربي ينطق بحقيقة ما ينتظر الفلسطينيون و مقدمة لما هو أبعد من الفلسطينيين ، فحدود الدم و المذهب و الطائفة أصبحت بدائل مقبولة عند البعض للتاريخ و الجغرافيا و البشر و هناك من هو جاهز للتصفيق عند قيام إسرائيل بقرصنة هنا واغتيال هناك (لنتذكر تصريح مندوب إسرائيل الأسبق في الأمم المتحدة دان غليرمان عشية اغتيال عبد العزيز الرنتيسي حين قال" نفترض أن يكون اغتيال الرنتيسي خطوة مقبولة لدى أوساط دول عربية معتدلة") .لنتذكر أيضا تشبيه بن غوريون للمعارك العنيفة، والمذابح الجماعية التي نفّذها الصهاينة ضد الفلسطينيين بتلك التي "شنّها المستوطنون البيض ضد الطبيعة الوحشية وضد الهنود الأكثر وحشية" .ولعل هرتزل كان واضحاً في فهمه المستند على الخلفية الاستشراقية الممتزجة بالجوهر الحقيقي للصهيونية القائم على النزعة الإحلالية حينما تحدث عن استخدام "المواطنين الأصليين" في قتل الثعابين الكبيرة والحيوانات المفترسة الأخرى ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة إلى أن يتم اختفاؤهم بشكل كامل".و يتداخل هذا الفهم الصهيوني "العلماني " مع مقولات أشد عنصرية و إقصائية يمثلها التيار المتطرف في الصهيونية الذي يتبنى ذات الشعارات الانعزالية و العنصرية إلا أنه يستند أيضا إلى خليط من التراث اليهودي المتطرّف تؤلف فيه "أرض إسرائيل و شعب إسرائيل و التوراة" قاعدة أساسية لا بد من تحقيقها قبل حضور "المسيح المخلّص"، و بالتالي يشكل نقاء الأرض و استيطان ضفتي الأردن شرطين مسبقين لتحرير الشعب اليهودي، وهي المهمة التي تقع على عاتقهم و التي جاءت "بأمر الرب". ولذلك تم اعتبار رابين "خائناً لأرض إسرائيل " فقط لأنه فكّر "جزئيا وبطريقة صهيونية صرفه" بإعادة بعض الأراضي للفلسطينيّين.الأمر الذي من شأنه خلق تأويلات عنصرية وشوفينية لخدمة الأهداف والاحتياجات القومية وهي غالبا ما تنطوي على فكرة تفوق عرق أو جماعة إثنيته ما وحقّه في حكم الآخرين، وإلا فإن الربّ سيصب لعناته وغضبه على "شعب إسرائيل"إذا ما فكر في التخلي عن جزءٍ من أرض إسرائيل التوراتية. وليس أقل من ذلك ما قاله يسرائيل مئير لاو الحاخام الرئيسي الإشكنازي في كانون ثاني 2001 في رسالتة الى إيهود باراك بأن إسرائيل (ارتكبت "خطأ تاريخيا" عندما تخلت عن السيطرة على "جبل الهيكل" لصالح الأوقاف بعد حرب 1967). بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية في الحرب وأن دايان ارتكب خطئاً فظيعاً لأن " تسليم مفاتيح جبل الهيكل إلى سلطة الوقف كان غلطة تاريخية كبرى سنبكي عليها على مدى أجيال "مؤكدا على أن رابطة الشعب اليهودي بأورشليم والأماكن المقدسة تأسست قبل أي ديانة أخرى أتت إلى هذه العالم. موشي دايان هذا الذي يوصف "بالعاق" و "العلماني"، هو ذاته من كان يشعر بالسعادة ويمتلئ قلبه بالغبطة خلال زياراته المتكررة للضفة الغربية بعد حرب 1967 حينما كان يقرأ عبارات على قطع معدنية فضية كتب عليها بالعبرية القديمة" شاقل إسرائيل"،"أورشليم المقدسة"،" العام الاول لتحرير اورشليم"،" العام الثاني لتحرير إسرائيل". ويثير موشيه فيجلين رئيس منظمة هذه أرضنا [زو أرتزينا] تساؤلا عن كيفية "خوض نضال من أجل جمع أوصال الأمة إذا ما أدرنا ظهورنا عن قلب الأمة؟ ينبغي علينا أولا وقبل كل شيء، أن نبدأ بقول الحقيقة لأنفسنا. وعندما قمنا نحن [إسرائيل] بإنزال العلم بعد الاستيلاء على جبل الهيكل في حرب الأيام الستة، كان ذلك بداية انهيارنا في يهوذا والسامرة والجولان"

وإذن؟؟؟، يعيش الإسرائيلي (السياسي) من الناحية البراغماتية حالة فصام بين القبول [بالواقعية السياسية] من خلال التفاوض مع الفلسطينيين وبين المشروع الصهيوني الذي يرفض الآخر. لذلك هو يفضل أن يبقى في (منزلة بين المنزلتين)فالعقل السياسي الإسرائيلي هو ,بحق, ظاهرة،لاعقلانية غريزية لا إنسانية ,توراتية في أحد وجوها.عقل ذو منطق ديني رجعي ميتافيزيقي يعيش مجده الخاص خارج المكان و الزمان ,عقل مريض بعقدة التوحد مع المعتدي ( إزاحة الاضطهاد النازي على الفلسطيني) ,فالفلسطيني هو مقلوب الإسرائيلي بالمعنى الوجودي و على هذا لن يقبل هذا العقل بوجود الفلسطيني شريك وجار له مهما كانت المسوغات و الضغوطات .

من يتجلى النضال الفلسطيني بالدرجة الاولى بوصفه نضالا إنسانيا وهو يسمو عن كونه نضال وطني فهو ليس موجها ضد دين أو قومية أو إثنية وهو ليس نضال ديني "فقط" يجاهد فيه "المؤمنون دفاعاً عن وقف إسلامي ,بل هو كفاح إنساني ضد الفكر الصهيوني و ما أنتجته من مشتقات عنصرية و قومية متطرفة ألحقت أفدح الأضرار بالفلسطينيين وغير الفلسطينيين .

إن الصراع ضد الصهيونية يشبه بشكل أو بآخر الصراع ضد النازية ، و ليس من الشطط القول ، أن النصر النهائي لقضية فلسطين بوصفها قضية إنسانية سيتحقق عندما يصل العالم إلى قناعة أن الصهيونية كعقيدة تشكل خطرا على الإنسانية باسرها و الحل الوحيد هو بوضعها ضمن شرنقتها الطبيعية التي نشأت فيه اي العنصرية حيث يمكن أن تعيش طويلا أو قليلا في صحراء ذاتية تتحسر على مجد أفل و جبروت تبخر وذاتية مغرقة في العدمية . وسواء طال الامر أم قصر ستأتي النتائج لاحقا بما يحقق الحالة الطبيعية التي لا تقبل الشذوذ

اخر الأخبار