قليلاً عن كلوفيس مقصود

تابعنا على:   13:22 2016-05-20

عيسى الشعيبي

توفي كلوفيس مقصود؛ الأشهر من أن يعرّف، والأرفع قيمة من الألقاب والأوصاف التي اقترنت بسيرة الرجل الذي طبّق اسمه الآفاق لعشرات السنين. مضى هذا العلم في دنيا الفكر وعالم السياسة والإعلام، بعد أن شبع من عمره المديد (90 سنة)، إذا كان المرء يشبع حقاً من عمره مهما طال؛ إذ يقول زهير بن أبي سُلمى: "ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأم".
ليست هذه السطور في مقام الرثاء الذي يشق عليّ النقر على بابه البارد الموحش. وفوق ذلك، ليست لدي معرفة عن كثب بالرجل، تتيح لي التحدث عن سجاياه، وتعداد مناقبه، أو استعادة بعض المواقف والذكريات الشخصية معه، وقد تولت هذه المهمة الشاقة جمهرة واسعة من معارفه وأصدقائه، فأوفوه حقه بالكامل، من خلال ما فاضت به أقلام هؤلاء من تقريظ وتكريم مستحقين.
غير أن ما حملني لتسطير هذه المساهمة المتواضعة، أمر شبه شخصي، احتفظت به على مدار السنوات الطويلة الماضية، كنت في غضونها أود لو أتيحت لي فرصة مواتية لمفاتحته بما ظل يختلج في نفسي من واجب تقديم اعتذار له، وهي مجاملة أعتقد أنه كان سيستقبلها بروح طيبة، وربما تفترّ شفتاه عن ابتسامة عريضة، لاسيما أن المسألة كانت صغيرة، ومنتهية في وقتها، ولا تنطوي في أساسها على إساءة.
ذلك أن أول مرة في حياتي أذهب فيها للاستماع إلى محاضرة سياسية، كانت في أواسط ستينيات القرن الماضي، وكان ذلك في القاهرة، عندما أخذني طالب جديد مثلي (وكان شديد الاهتمام بالشأن العام) إلى قاعة عامة، كان من المقرر أن يتحدث من على منصتها شخص غزير المعرفة، واسع الاطلاع على جوانب كثيرة من الموضوع الذي كان، وما يزال، يشغل بال جيلنا اليافع، وهو القضية الفلسطينية.
يومها، كان أول ما لفتني وأثار تعجبي، اسم المحاضر غير المألوف؛ إذ بدا لي أول الأمر أن المتحدث ليس عربياً، وأنه قد يحاضر باللغة الإنجليزية؛ فمثل هذا الاسم الأعجمي "كلوفيس" لم يطرق مسمعي من قبل، كما لم أفهم معناه. غير أني جاملت صديقي المتحمس لموضوع المحاضرة أكثر من حماسه للمحاضر، وذهبنا للجلوس على مقعدين خشبيين في آخر تلك القاعة التي كانت تغص بطلبة يأكلون ويشربون ويتنفسون سياسة.
جلسنا مدة تزيد على ساعة ثقيلة على ذهن الفتى اليافع، بقيت خلالها أغالب نفسي كي أواصل الإصغاء لرجل كان يرتجل موضوعه بطلاقة، ويتحدث فيها بلغة أحسب أنها كانت فوق مستوى وعي أغلب الحاضرين؛ حيث راح يستعرض مصطلحات غريبة عليّ، ويستخدم مفردات طالعة لتوها من متن قاموس سياسي جديد، مما زاد من شقاء الاستماع، وأثقل عليّ تلك الساعة التي كنت أستعجل انقضاءها، لمداراة مللي، وقصور فهمي عن الإحاطة بمدلولات لغة كانت عسيرة.
مع مرور مزيد من الوقت، اتسعت مدارك الفتى المدجج بالفضول، وتطورت مقدرته الشخصية على الفهم والاستيعاب. كما أدت الخبرات المكتسبة، رويداً رويداً، إلى التعامل بأريحية مع الأطروحات الفكرية. وفوق ذلك، نمت مؤهلاته الذاتية، فيما بعد، للدخول في السجالات الطلابية الساخنة في العادة، وهو أمر لم تسعفني ضآلة التجربة، في حينه، على الخوض في غماره الصاخبة في أعقاب تلك المحاضرة، التي أثارت يومها نقاشات شبابية حامية الوطيس.
غير أنني بقيت طوال تلك العقود الزمنية الحافلة بمتغيرات لا حصر لها، أتذكر هذه التجربة الشخصية المحرجة، التي كان بطلها كلوفيس مقصود. كما بقيت، أيضاً، أشعر من جهة أولى، كلما استعدت حيثياتها، بقسط من الرثاء لنفسي الغضة آنذاك، وأشعر من جهة مقابلة بقسط من الاعتذار لذلك المحاضر الذي فتح ذهن الولد الريفي على آفاق جديدة، لم يكن قد حلّق فيها من قبل.
منذ تلك الواقعة اللطيفة، ظلت مشاعر الاعتذار تباغتني كلما قرأت مقالاً أو استمعت لمقابلة متلفزة لهذا المثقف العروبي، الذي رحل في الذكرى الثامنة والستين للنكبة، من دون أن أغفل الامتنان لمن حفزني على التفكّر والاستزادة أكثر. وعليه، فقد وجدت من المناسب أن أكتب شيئاً قليلاً عن كلوفيس مقصود، لعلني أفيه بعضاً من الدين الذي لم أتمكن من سداده في حياته.

عن الغد الاردنية

اخر الأخبار