• الاثنين 18 يناير 2021
  • السنة الرابعة عشر
  • En
تنويه أمد
قبل الفرح بتلك البيانات الصماء، فكروا كيف يمكن معالجة الخلايا السرطانية الانقسامية في الجسد العام، لو حقا كان الهدف وطنيا بالمعنى العام...دونه لتبدأ تجهيز حركة نعوش المشهد الوطني

العبث الدولي بحق تقرير المصير

تابعنا على:   13:13 2016-05-20

الياس سحاب

تتزاحم هذه الأيام الذكريات السيئة من تاريخ منطقتنا العربية، وعلى رأسها الذكرى المئوية لاتفاقية «سايكس ـ بيكو» (1916)، والذكرى الثامنة والستين لـ «نكبة» فلسطين (1948).
إن وجه التشابه والتكامل بين هاتين الذكريين يتضمّن أكثر من عنصر سياسي. لكن أبرزها وأشدّها إيلاماً لشعوب هذه المنطقة، هو ذاك الخاص بحق هذه الشعوب في تقرير مصيرها، وهو حق عام كان وما زال مسلوباً بالذات من قوى «المجتمع الدولي» ذات المطامع المنطقة العربية.
كان سلب حق تقرير المصير منذ مئة عام يشمل كامل العالم العربي من محيطه إلى خليجه. وقد انحصر بعد ذلك في فلسطين، الجسر الجغرافي السياسي الواصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، أو بين القسم المشرقي من الوطن العربي وقسمه المغربي.
وجاء «مؤتمر فرساي» في نهاية الحرب العالمية الأولى، بعد سنوات على صياغة اتفاقية «سايكس ـ بيكو» ليصادر حق تقرير المصير من الدول العربية كلها، وليوزع الحكم فيها مغانم بين القوى المنتصرة في الحرب.
ومن غرائب تصرفات وأخلاقيات «المجتمع الدولي» في تلك الحقبة، تشكيل لجان دولية لإجراء استفتاءات في مجمل الدول العربية، ليس لسؤال شعوبها عن نوع النظام السياسي الذي تختار أن تحكم عبره بلادها، بل عن القوة الدولية المنتصرة التي يفضلون أن تقوم بحكمهم. وبدلاً «من عبارة اختيار الدولة الأجنبية التي تستعمرهم»، اخترعوا يومها عبارة «الانتداب»، الذي يعني عملياً استعمار تلك الدول حتى حصولها على الاستقلال السياسي. وقد اتضح يومها أن شعب فلسطين، عندما خضع لهذا الاستفتاء من قبل «لجنة كينغ - كرين»، آثر عدم اختيار أي من القوى الأوروبية الاستعمارية التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى، مثل فرنسا أو بريطانيا، بل اختار للانتداب عوضاً عن ذلك دولة أجنبية كانت تتمتع بسمعة دولية أفضل من نظيراتها، لأنها حديثة العهد في المجال الدولي خارج حدودها، وهي الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت وقتها مشهورة بوثيقة رئيسها وِلسُن لاستقلال الشعوب. لكن ما تم بعد ذلك راح في اتجاه آخر. فقد قرر «مؤتمر فرساي» إهمال استفتاءات «كينغ ـ كرين»، واختار بريطانيا العظمى لاستعمار فلسطين، وذلك بالطبع وبالمنطق استكمال للوثيقة البريطانية «وعد بلفور»، التي نسجت الخيوط الأولى لتفريغ فلسطين من شعبها، بعد سلبه حقه في تقرير مصيره، وإقامة وطن قومي لليهود الذين لم يكن معظمهم قد وطأ أرض فلسطين بعد.
وعندما اقترب موعد خروج قوات الاحتلال البريطاني من «فلسطين 1948»، لم يكن البديل كما تنصّ وثائق الأمم المتحدة الجديدة التي تأسست على أنقاض الحرب العالمية الثانية إنجاز نص الانتداب، أي منح شعب فلسطين حقه في تقرير مصيره، واختيار نظام الحكم الذي يفضله، بل كان «المجتمع الدولي» قبل ذلك بأشهر، أي في أواخر العام 1947، قد استبق الأمور بسرقة هذا الحق وبإعلان قرار تقسيم البلاد.
وبعد هذه السرقة التاريخية الدولية العلنية، قامت دولة الانتداب بدعم العصابات الصهيونية التي شرّدت شعب فلسطين واحتلت ثلاثة أرباع أرضه التاريخية.
لا تتسع هذه المقالة لاستعراض ما تعرّض له حق تقرير المصير بعد ذلك، سواء في العراق (الغزو الأميركي) وسوريا (التدخل الدولي والإقليمي لدعم قوى تكفيرية استولت على حراك سوري شعبي) أو ليبيا.. أو اليمن. لكن يمكن الزعم بأن ما حصل استكمال لسرقة حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها، وهي سرقة مستمرة منذ مئة عام.

عن السفير

اخر الأخبار