الاستغوال أبشع مراحل الامبريالية

تابعنا على:   15:39 2016-05-16

عدنان الصباح

بتاريخ 19/3/1917 قال قائد الجيوش البريطانية التي احتلت العراق موجها حديثه للعراقيين " ان جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل بمنزلة محررين فقد أخضع موطنكم من أيام هولاكو لمظالم الغرباء فخرّبت قصوركم وتجردت حدائقكم وأنت أشخاصكم انتم وأسلافكم من جور الاسترقاق. لقد سيق أبناؤكم الى حروب لم تنشدوها وجردكم القوم الظلمة من ثروتكم وبددوها في أصقاع شاسعة " وبعد مائة عام تقريبا وفي تاريخ مماثل تقريبا في عام 2003 أعلن جورج بوش الحرب على العراق بقوله " نأتي إلى العراق والاحترام يحدونا لمواطنيه ولحضارته العظيمة ولمعتقداته الدينية التي يمارسونها. ليست لدينا أي مطامع في العراق، سوى أن نزيل التهديد ونستعيد السيطرة على تلك الدولة إلى شعبها " وتابع في خطاب النصر يقول " لدينا عمل صعب نؤديه في العراق. إننا نقوم بإحلال النظام في أجزاء مازالت خطرة في ذلك البلد. وإننا نقوم بملاحقة والعثور على زعماء النظام القديم الذين سيحاسَبون على جرائمهم. وقد بدأنا البحث عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية المخبأة، ونحن على علم بالفعل بمئات المواقع التي سيتم التحقق في أمرها ,إننا نساعد في إعادة بناء العراق، حيث شيد الدكتاتور قصورا بدل المستشفيات والمدارس للشعب. وسنقف إلى جانب قادة العراق الجدد أثناء تشكيلهم حكومة جديدة بالشعب ومن الشعب وللشعب العراقي".

نابليون بونابرت الذي وللمهزلة اسماه بعض المؤرخين المسلمين الجنرال علي قال في رسالته التي وجهها لشعب مصر عند احتلالها ما نصه:

" بسم الله الرحمن الرحيم، لا اله إلا الله وحده ولا شريك له في ملكه... أيها المشايخ والأئمة...قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحّث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك فإن الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني..أدام الله ملكه...أدام الله إجلال السلطان العثماني أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية."

هذا هو الخطاب الإسلامي العظيم الذي وجهه نابليون للمسلمين في مصر وعمل بكل ما أوتي من قوة لإقناع المصريين انه وجنده اعتنقوا الإسلام حتى يسهل عليهم السيطرة على مصر وشعبها حتى وصل الأمر بتحويل اسمه إلى الجنرال علي وهذا النموذج الأسوأ لآليات التعاطي مع الشعوب والتحايل عليها لسرقة خيرات البلد والسيطرة على مقدراتها واستخدامها لصالح تحقيق الأهداف الأبشع للرأسمالية وممثليها وعلى نفس المنوال كانت كلمات قائد الجيوش البريطانية في العراق ورسالة بوش في احتلال الخرق والكل يعلم جيدا أين ذهبت كلمات قائد الجيوش البريطانية وما الذي حل بالعراق وكيف تم ترسيمها وخلط الأوراق هناك ليأتي بوش بعد مائة عام ليكرر نفس الكلمات وليفعل بعد ذلك نفس ما فعله أسلافه الانجليز فالحكاية واحدة في كل الحالات والامبريالية التي رعتها بريطانيا وألمانيا وفرنسا ورثتها امريكا لتصبح أكثر استغوالا ضد شعوب الارض وأممها.

حين احتلت بريطانيا العراق كانت العراق تتألف من ولايات ثلاث هي بغداد والبصرة والموصل وكانت التركيبة الاجتماعية متجانسة في القومية ومترابطة رغم اختلاف الديانات والمذاهب قليلا فقد كان العرب آنذاك يشكلون 75% من مواطني الولايات الثلاث والأكراد 15% فيما توزع الباقي على أقليات عرقية أخرى فيما كان المسلمين يشكلون 90% من المواطنين وبدل ان تسعى بريطانيا لإقامة حكومة اتحادية للولايات الثلاث اهتمت بإلغاء التمايزات ودمج الجميع في دولة واحدة مع تركيزها على الإبقاء على هذه التمايزات قائمة بل وساعدت على ترسيخها أكثر في محاولة لمنع تشكيل مجتمع عراقي نوحد في دولة مدنية حديثة وهو ما ورثته العراق الى ان جاء احتلال امريكا وحلفائها بما فيهم بريطانيا لها لتعيد الاستفادة مما زرعته بريطانيا هناك وتعيد الصراعات والخلافات الدينية والمذهبية والعرقية الى الواجهة بإشعال نارها بكل ما أوتيت من قوة ولتقدم نموذجا للحرية التي جاءت من اجلها مختلة لهذا البلد الذي دمرته عن بكرة أبيه وجعلته نهبا للفساد والفوضى والاقتتال والصراعات بلا توقف وليصبح العراق الذي كان بلدا غنيا مزدهرا من أكثر بلاد العالم فقرا ودمار.

دائما حرصت القوى الاستعمارية على إذكاء الصراعات عند الشعوب لأي سبب ممكن عرقي أو ديني أو حتى عشائري جهوي أو طبقي وقد فعلت ذلك بكل المراحل والمناطق وأيا كانت الجهة المستعمرة فقد ظلت الأدوات نفسها ففرنسا التي سلمت مكانها لأمريكا في فيتنام لم تغب بالسلوك والفكر والسياسة وان غابت عمليا وهذا ما حصل مع أمريكا في العراق لتمارس نفس سلوك بريطانيا في مطلع القرن وما فعلته فرنسا نابليون في مصر تابعته بريطانيا أيضا هناك بعد الحرب الاستعمارية الأولى واستعمارها لمصر.

الولايات المتحدة ومن قبلها مصر سعت دائما لإذكاء الصراع السني الشيعي في ما أسمته بالهلال الشيعي وهي راوحت دائما وترددت بتسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي حسب الظروف والمرحلة فتارة أسمته الخليج الفارسي وتارة أخرى أسمته الخليج العربي وحين كانت إيران أمريكية بامتياز تحت حكم الشاه وصديقة لإسرائيل الصهيونية المعادية للعرب ومتحالفة مع مصطفى البرزاني في العراق وكان العراق لزمن ليس قصير تحت إدارة قومية معادية للامبريالية كان الحلف الإيراني البرزاني الإسرائيلي هو الأهم لدى أمريكا وهي غيرت دائما رؤيتها حسب المتغيرات هناك فحالفت النظام القومي العربي البعثي في العراق بقيادة صدام ضد إيران وكردستان وانقلبت عليه حين انتهت منه وتحالفت مع حلفائه وأعدائه معا عليه وضمت في الحلف السعودية ومصر وسوريا ودول الخليج وضمنت صمت إيران بل وتسهيلها لمهمة قوات التحالف المعادية للعراق لما لها فيه من مصلحة بإسقاط العراق وإفقاده قوته لتمرير المصالح الإيرانية هناك.

لا ثوابت ولا أخلاق ولا قواعد في مجرى السياسة الامبريالية في سائر مناحي الأرض وحلفاء اليوم هم أعداء الغد والعكس صحيح وأيضا دون ثبات فيمكن للدورة أن تتكرر مرات ومرات دون خجل أو تردد فأمريكا التي تحالفت يوما مع سوريا وإيران والسعودية وقطر ضد العراق عادت لتنفض تحالفها وتعيد تفكيكه وتركيبه لتحارب سوريا وإيران بالمال السعودي القطري دون أن تلغي المصالح المشتركة لها مع إيران في العراق وأفغانستان وهي التي سعت لخلق تحالف قطري تركي سوري ذات يوم أعادت تركيبه من جديد لتخرج سوريا منه سعيا لتدميرها لصالح تركيا خادمة مصالحها الأقوى في مواجهة إيران والثورة الكردية في سائر مناطق كردستان وهي تصمت عن الجريمة التركية المتواصلة ضد القرى الكردية على الحدود الإيرانية التي تصل إلى حد الإبادة الجماعية دون أن يسمع احد شيئا عن جرائم الحرب أو حتى الإبادة الجماعية وكان العالم أمام جرائم أمريكا يغط في سبات عميق لا يمكن تفسيره أبدا.

الامبريالية في استغوالها المفتوح لا يضيرها أن تستخدم شعبا أو أكثر كأداة من أدواتها لتحقيق مصالحها هنا أو هناك وكردستان النموذج الأبهى لذلك فهي تحرص على انعدام القومية الكردية لصالح مجموعة الدول المتقاسمة لكردستان وتبقي هذه القضية حية دون إنهاء حتى تتمكن من الإبقاء على مبررات الاشتعال قائمة مستخدمة بذلك شعبا بأسرة طعما لمصالحها فحين كانت تتحالف مع صدام ضد إيران سكتت عن كل الجرائم ضد الشعب الكردي هناك وحين بات عدوا لها استحضرت كل تلك الجرائم دليل إدانة ضده, وهذا ما تفعله أيضا مع الشعب الفلسطيني الذي تبقيه تحت وطأة الاحتلال وتمارس بشأنه كل صنوف القهر والتسويف وتخلق باستمرار قصصا وحكايات كل ما تهدف إليه هو إطالة أمد هذا الصراع فتارة تتحدث عن عدم شرعية الاستيطان وتطالب بوقفه وتارات كثيرة تتحدث عن الإرهاب الفلسطيني وهكذا وكل ما تهدف إليه هو تحقيق مصالحها ومصالح حلفائها فقط أيا كانت النتائج والجرائم المرتكبة بحق الشعوب المستضعفة