الأمن القومي العربي في مهب الريح :

تابعنا على:   02:00 2016-05-16

د. عز الدين حسين أبو صفية

لم يعد مفهوم الأمن القومي لدي كثير من الدول العربية يلقى اهتماماً بحجم التحديات التي تواجهه على كل الأصعدة وأصبح منتهكاً مما يشكل خطراً حقيقياً على مقومات بناء الدولة في الوطن العربي، كما أنه لم يعد التعامل مع أهمية الأمن القومي بشكل شامل ومتكامل بحيث يشمل كل النظام والوطن العربي من الخليج إلى المحيط ومن أقصى جنوبه إلى أقصى شماله الأمر الذي أدى إلى تسهيل المخاطر المختلفة على الدول العربية منفردة ومجتمعة.

فبنظرة سريعة للأمن القوى العربي فترة ما بعد أواسط خمسينيات إلى أواسط سبعينيات القرن العشرين الماضي وتحديداً فترة وزمن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مؤسسه فكرة الحفاظ وحماية الأمن القومي المصري والعربي حيث كان يعتبر أن الأمن القومي للجمهورية العربية المتحدة يتعدى بكثير الحدود الجغرافية للدولة حيث يمتد إلى أواسط أوروبا الشرقية والدول الأوروبية على الشمال المتوسط وكل قارة أفريقيا وجميع الدول غير العربية الممتدة في الفضاء الخارجي للوطن العربي، فقد شكلت كثير من القضايا مساحات ومفارز الأمن القومي العربي التي كانت تنحصر في الأمن الغذائي والمائي والبيئي والمضائق والمنافذ المائية وأحواض البحر الأبيض المتوسط وكامل حوض البحر الأحمر والخليج العربي وحوض نهر النيل الممتد من منابعه في عمق أفريقيا وأثيوبيا وحتي مصبه على البحر الأبيض المتوسط، وقد شكلت المضائق أهمية استراتيجية لحماية الأمن القومي كمضائق تيرات على البحر الأحمر وخليج العقبة ومضائق باب المندب جنوب اليمن ومضيق جبل طارق، كما أن الاهتمام امتد إلى مضائق خارج الإطار الإقليمي المصري والعربي كمضيق البسفور والدردنيل ويخضعها للمراقبة الأمنية المباشرة وغير المباشرة، كما كان لقناة السويس كأكبر ممر مائي صناعي في العالم دوراً مهماً في رسم السياسات الأمنية والإقتصادية لمصر.

كما أنه لم ينحصر الأمن القومي المصري والعربي في تلك الأمور بل امتد إلى الفضاء الجوي حيث شكل ذلك هاجساً كبيراً محظور اختراقه من أيّ من كان من طيران الدول غير العربية بدون إذن مسبق وخاصة فترة الحروب ولم ينحصر الأمن القومي العربي إلى هذا الحد بل امتد إلى مصادر المياه في كل أنحاء الوطن العربي بشكل خاص وفي مصر والسودان فيما يتعلق بمياه نهر النيل وكذلك بالنسبة لمياه نهري دجلة والفرات النابعان من تركيا والتي أقامت سداً كبيراً (سد كمال أتاتورك) وعشرات السدود الأخرى على الأنهر الجبلية الداخلية في تركيا، حيث احتجزت هذه السدود معظم مياه النهرين بقصد ضرب الأمن الغذائي في كل من العراق وسوريا، وأيضاً مياه نهر الأردن التي قامت إسرائيل بتحويل مجراه لسرقة مياهه مع مياه بحيرة طبرية 1967 حتى أصبحت طبريا بعد احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية تقع ضمن إطار السيطرة الإسرائيلية.

هذا وقد شكل موضوع المياه ونقصها أو محاولات حرمان بعض الدول العربية منها خطراً حقيقياً على الأمن الغذائي لتلك الدول التي انتقصت مياه أنهارها بفعل السدود التي أقامتها بعض الدول غير العربية مثل تركيا وأثيوبيا وإسرائيل التي حولت مجرى نهر الأردن لصالحها.

كذلك شكلت الحدود والتخوم من أهم القضايا التي تشغل الاهتمام بالأمن القومي العربي، وقد شكلت الاعتداءات الإيرانية على الحدود الشرقية للوطن العربي واحتلالها للجزر الإماراتية ( جزيرة أبو موسى وطمب الكبرى وطمب الصغرى) شكلت اختراقاً مباشراً من قبل إيران للأمن القومي للوطن العربي بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص ولا زال الخلاف حول هذه القضية قائماً حتى هذه اللحظة،كما شكل احتلال إسرائيل لفلسطين أقوى ضربة واختراقاً للأمن القومي العربي، حيث تم اقتطاع جزءاً مهماً من الوطن العربي وإقامة دولة إستعمارية عليه بعد طرد وتهجير سكانه الأصليين حيث تعتبر اسرائيل الآن خنجراً مسموماً في خاصرة النظام والأمن القومي العربي تشكل تهديداً دائماً ومباشراً للنظام العربي وذلك بسبب ارتباطها الوثيق بالأنظمة الاستعمارية الاوروبية والأمريكية تشاركها في كل ما يسهل ويساعد في ضرب الأمن العربي وأنظمة الحكم فيه حيث بات كل الأنظمة السياسية العربية في غير مأمن من وجود الكيان الصهيوني بل أصبح هذا الكيان يلعب ضمن إطار السياسات الأوروبية والأمريكية في ايجاد موقع قدم له في منظومة الشرق الأوسط الجديد ومن ثم الوطن العربي الكبير ساعين لإزالة الصفة العروبية عنه من خلال خلق الفتن والنزاعات العرقية والطائفية والإثنية فيه، وتمزيق التواصل الجغرافي بين مكوناته وكذلك شكل موضوع نهر السنغال الفاصل الحدودي بين دولة موريتانيا والسنغال مشكلة حدودية لتغيير مجرى النهر الذي يحدث تآكلاً في الأراضي الموراتينية لحساب الأراضي السنغالية الأمر الذي أدى إلى تشتت بعض القبائل العربية بين الأراضي السنغالية والموريتانية.

ولكن اليوم أين الأمن القومي العربي من الاهتمام في ظل الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها وأصبحت تلك الانتهاكات تشكل خطراً حقيقياً على الوحدة الجغرافية للوطن العربي ونسيجه الاجتماعي لا سيما بأن المخاطر عليه أصبحت متعددة الأشكال والألوان لدرجة أنها أضرت ليس فقط بوحدة النسيج الاجتماعي للوطن العربي بل تعدته إلى نسيج الدولة الواحدة وتمثل ذلك في:

أولاً: الاستمرار في تعرض الأمن القومي العربي لمجمل تلك الانتهاكات القديمة ولم تتمكن الدول العربية من درء المخاطر الخارجية أو إنهاء الانتهاكات والاحتلالات الأجنبية لبعض الأراضي العربية.

ثانياً: المجال الجوي والمائي: فقد أصبح المجال الجوي والمائي العربي ينتهك من كثير من الدول الأجنبية لتحقيق أهدافها ومصالحها، والمصيبة الكبرى أن ذلك يتم بموافقة بعض الدول العربية ومشاركتها مع الدول الأجنبية لانتهاك تلك المجالات وقد بدا ذلك واضحاً بما قامت به الولايات المتحدة عند محاربتها لدولة العراق عندما استخدم طيران التحالف مجمل المجال الجوي والمياه الإقليمية العربية واجتاز حدود الدول العربية تحت ذريعة الحرب وقد تطور الأمر بعد أحداث 11/ سبتمبر والسياسة الأمريكية لمحاربة الإرهاب الإسلامي وأصبحت كل الفضائيات مفتوحة أمام تلك الحرب وأصبح الأمن القومي العربي بشكل عام ولمعظم الدول العربية منتهكاً بإرادتها وبغير إرادتها أيضاً، مما شكل خطراً محدقاً على الوطن العربي وأمنه في ظل السماح لقوات أجنبية باستخدام المنافذ والمعابر المائية والحدودية والفضائية من قبل القوات الأجنبية الساعية للإضرار بالنظام العربي وقد شكل ذلك أكبر اختراق للأمن القومي العربي.

ثالثاً: المياه: لا زالت مشكلة المياه تشكل انتهاكاً صارخة للحقوق العربية في المياه ولم يتم إنهاء مشكلة نهر الأردن وتحويل مجراه من قبل إسرائيل ولصالح سرقتها لمياهه، كما هو الحال لسرقتها مياه الخزانات الجوفية في الضفة الغربية في فلسطين، كما أنها ما زالت تسرق مياه نهر الليطاني عبر وسائل وتقنيات مخفية قامت بتركيبها من تحت مجرى النهر إبان احتلالها للجنوب اللبناني.

وفي إطار الصراع على مياه نهر النيل الذي يحكم توزيعه بين الدول التي يجرى النهر عبر أراضيها اتفاقيات دولية، إلا أن أثيوبيا وبإيعاز من الولايات المتحدة وإسرائيل قامت بأكثر من محاولة لبناء سدود على مجرى نهر النيل وروافده لغرض ضرب الاحتياجات المصرية من المياه والإضرار بأمنها الغذائي. وقد قام كلاً من الرئيسين المصريين المرحومين جمال عبد الناصر وأنور السادات برفض ذلك ونتيجة تخاذل الأمم المتحدة في حل تلك الإشكالية وتراخيها فقد أقدم الرئيس السادات بضرب وتدمير جميع المنشآت التي كانت تعدها أثيوبيا لبناء سدود على روافد نهر النيل، وقد لاحظنا تجدد تلك المشكلة من جديد بين مصر وأثيوبيا عند إعلانها عن بدء بناء سد النهضة الذي يشكل خطراً حقيقياً على مصر والسودان ولم تكترث أثيوبيا للحاجة المصرية المتزايدة لمياه نهر النيل، ضاربة بذلك عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية، وقد ساهمت موافقة الرئيس المصري الجديد المنتمى لحركة الإخوان المسلمين (مرسي) لأثيوبيا ببناء سد النهضة ومباركته لذلك، أن نشطت أثيوبيا في إنشاء سد النهضة إلى أن تغير نظام الحكم في مصر وأصبح (عبد الفتاح السيسي) رئيساً لمصر المستشعر الحقيقي لخطورة إقامة سد النهضة في أثيوبيا على حصة مصر من مياه نهر النيل ولخطورة انهياره بعد أن يكون خزان مياهه قد امتلئ بمليارات الأكواب المكعبة من المياه والتي ستغرق مجمل الأراضي السودانية والمصرية بالكامل، الأمر الذي دفع بالقيادة المصرية إلى وضع ملف سد النهضة على طاولة المفاوضات مع أثيوبيا ساعية إلى إنهاء المشكلة بالطرق الدبلوماسية.

رابعاً: الأمن والإرهاب: يعتبر الإرهاب العابر للحدود الأخطر على الإطلاق على الأمن الوطني للدول العربية والأمن القومي العربي بشكل عام حيث أصبح الإرهاب معولماً وكذلك محاربته، ولم يقف انتشاره عند حدود معينة أو دول محددة ولكن أصبح يعم العالم كله وأصبح يتخطى حدود الدول بشكل عام وحدود الوطن العربي ودوله بشكل خاص، فهو يضرب مجمل الدول العربية وهو إرهاباً موجهاً ومداراً بأيادٍ تهدف إلى زعزعة الأمن القومي العربي وضربه في مقتل بحيث يصبح من السهل تقسيم وتفتيت الدول العربية الأمر الذي دفع بكثير من الدول العربية إدراك خطورة الإرهاب على بناها وهياكلها السياسية والجغرافية فأخذت بتشكيل الأحلاف العسكرية لدرئ الخطر عن نفسها.

 

هذا إلا أن الإرهاب تسبب في تمزيق المجتمعات العربية وإثارة النعرات الطائفية والعرقية وقد غذيت هذه النعرات من أطراف خارجية عملت دائماً على تحطيم منظومة الأمن القومي العربي، الأمر الذي أدى بالعديد من الدول العربية لاتخاذ إجراءات تعمل لحماية أمنها الوطني وحدودها لتتجنب الإرهاب الذي أخذ يضرب عمق هذه الدول وبات يهدد الوحدة السكانية والجغرافية لها، وقد أخذ الإرهاب وتهدد أمن هذه الدول أشكال عديدة أهمها:

أ‌- الفوضى الخلاقة: أو ما عرف عنها مؤخراً بالربيع العربي الذي عمل على تدمير البني الاجتماعية والسياسية والعسكرية لكثير من الدول العربية المستهدفة وقد تسبب ذلك بأضرار كبيرة مختلفة ومتنوعة له ولم يغادرها هذا الإرهاب إلا صريعة النزاعات الداخلية التى لم تقف عند حد الصراعات الإثنية بل تعداها إلى حد الاقتتال والقتل الداخلي واجتزاء أرضٍ من أراضي هذه الدول وإقامة كيانات تنظيمية مسلحة بمسميات مختلفة وكان أهمها ( تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق، وتنظيم جبهة النصرة وجيش الإسلام وأنصار الشام، وتنظيم فجر ليبيا وغيرها من التنظيمات التي تحمل مسميات إسلامية، وغيرها من التنظيمات التي أخذت أشكال سياسية تحت توجهات معارضة للأنظمة السياسية في بعض الدول العربية بهدف تغيير تلك الأنظمة وفق خطة استعمارية أمريكية أوروبية جديدة لتقسيم الوطن العربي، تلك التنظيمات تمردت على أنظمة الحكم في دولها، وقد تعدى الأمر ذلك بحيث أصبحت بعض الطوائف العقائدية والأثنية تصارع النظام السياسي في تلك الدول كالطائفة الشيعية الاثنى عشرية في اليمن والمتمثلة في (الحوثيين) والخطورة في هذا النوع من الإرهاب أنه لاقى مساندة ودعماً سياسياً ومالياً ولوجستياً من العديد من الدول العربية وغيرها من الدول الأجنبية لعبت دوراً مهماً في تغذية الصراعات وإطالة أمدها.

ب‌- تدخلات الدول غير العربية في الشأن الداخلي العربي: فلم يعد خفياً على أحد أن التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي العربي تحت ذرائع حماية الشعوب العربية من أنظمتها الاستبدادية أن لكل من تلك الدول أطماعها وأهدافها التي لا تخرج عن نطاق تمزيق الوطن والدول العربية، وكان من أخطر هذه التدخلات التدخل الأمريكي الأوروبي المتهم بصناعة ومساعدة داعش وبعض التيارات السياسية التي تم عسكرتها على أياديهم، وكذلك التدخل التركي في سوريا بهدف اقتطاع الشمال السوري والموصل في العراق بهدف ضمها إلى أراضيها، وأيضاً التدخل الروسي الهادف إلى الحفاظ على النظام السياسي السوري للإبقاء على سلامة مصالحها وقواعدها البحرية في سوريا، هذا ويعتبر التدخل الإيراني من أخطر التدخلات الخارجية في الشأن العربي وأدى إلى تدهور حالة الأمن القومي العربي بشكل كبير وهو تدخلاً أصبح يأخذ شكل التدخل الطائفي بهدف التمدد الشيعي إلى عمق الوطن العربي وبات ذلك جلياً في دعم إيران للحوثيين الشيعة في اليمن ومساندتهم في السيطرة على مساحات شاسعة منه بهدف إسقاط النظام السياسي السني وإقامة نظام سياسي شيعي فيه، والمراقب للسياسة الإيرانية هذه يجد أن النموذج الأكثر تطبيقاً لتلك السياسة ما تم إقامته من نظام سياسي شيعي في دولة العراق، هذا وتعتبر بعض الدول العربية الأكثر استهدافاً لتلك السياسة الإيرانية هي دولة السعودية والبحرين والكويت وغيرها من دول الخليج ولبنان في شمال الوطن العربي، وباتت إيران القوية عسكرياً الآن تظهر وأنها قوة كبيرة تشكل خطراً إقليمياً داهماً على أمن تلك الدول ولم يقف انتهاك الأمن القومي العربي عند تلك الدول بل تخطاها إلى الدولة المصرية حيث وجه الإرهاب لضرب العمق المصري وخاصة في الخاصرة الشرقية منها وهي شمال شبه جزيرة سيناء، ولم تنجح القوى الفاعلة في ضرب الأمن القومي العربي كما لم تنجح في تحطيم بنى النظام السياسي والأمني في مصر وأيضاً لم تنجح في ضرب البنى التنظيمية والهيكلية العسكرية للجيش المصري المتمتعة بعقيدة عسكرية مدركة لكل تلك المخاطر.

ت‌- ومن هنا ومع إدراك الدول العربية لخطورة ما أصاب بعض الدول العربية وغزو الإرهاب والتدخلات الخارجية فيها وفي ظل الضعف العربي وانكشاف عورة ومصداقية الدول الخارجية ووضوح مواقفها التآمرية على أمن وسلامة الوطن العربي، لذا عملت على إنشاء تحالفات عربية لمحاربة الإرهاب والتصدي لكل سياسة التقسيم وإثارة الفتن الطائفية، وكان من أهم هذه التحالفات، (تحالف عاصفة الحزم والتحالف الإسلامي) الذي تقوده السعودية ويضم العديد من الدول العربية بهدف التصدي للمخطط الحوثي في اليمن، وكذلك التحالف الخليجي الهادف إلى التصدي للتمدد الشيعي في منطقة الخليج العربي، ولم ينجح هذان التحالفان في درء خطر التمدد الشيعي الإيراني الذي بدأ يلقى المباركة الصامتة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول العربية.

ثم أن هناك تحالفاً سنياً أخذ يظهر بشكل فاعل وإن كان قد وجد منذ الحرب في سوريا وهو التحالف السني في مواجهة التمدد الشيعي وتقود هذا التحالف كل من السعودية وتركيا غير الموثوق في نواياها تجاه سوريا وهما الداعمتان الرئيسيتان لحركة الإخوان المسلمين وتغذى نشاطاتها، وقد ضم هذا التحالف كل التنظيمات العسكرية والتي تمارس الإرهاب في بلاد الشام تحت ذريعة محاربة التمدد الشيعي(المتمثل بالمساندة الإيرانية وحزب الله للنظام السياسي السوري)، وقد لاقى هذا التحالف دعماً مادياً وعسكرياً غير مسبوق من قبل قطر والسعودية وتركيا وكذلك أمريكا والدول الأوروبية، ولم يوفق هذا التحالف لأنه لم يلق دعماً عربياً سياسياً بل كان مرفوضاً من قبل كثير من الدول العربية الرئيسية وخاصة مصر ودول المغرب العربي بكاملها، لأن الهدف من هذا التحالف بات واضحاً لتلك الدول وهو ضرب النظام السياسي السوري وإنهاء حكم الرئيس بشار الأسد، كما كان للتدخل الروسي الرسمي في الحرب في سوريا تحت ذريعة محاربة داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى أن أضعف ذلك التحالف وأدى إلى خلق واقع عسكري وسياسي جديدين في سوريا أدت إلى تفاهمات بدء يتضح معالمها وتمثلت ( بأن لا حل عسكري ينهى الصراع في سوريا بل أن الحل يجب أن يكون سياسياً وعدم الاشتراط بإزالة الأسد عن سدة الحكم في سوريا، وهذا أصبح أكثر وضوحاً الآن حيث السياسة الأمريكية أصبحت تناغم النظام السوري وروسيا حول آلية الحل السياسي في سوريا دون استبعاد الأسد أولاً مما أثار حفيظة ( المعارضة السورية)، وحفيظة المملكة العربية السعودية التي تمتعض كثيراً من سياسة التقارب الأمريكية من إيران منذ الاتفاق النووي الذي لم يكن مريحاً للسعودية ودول الخليج وقد زاد من حفيظة السعودية تجاه أمريكا بأن موقف الأخيرة من إعدام السعودية (للشيخ نمر النمر) الشيعي لم يكن مرحباً به من قبل الأمريكان وقد سبق لهم أن نصحوا السعوديين بعدم الإقدام على هذه الخطوة إلا أنهم رفضوا وأصروا على إعدامه ما أثار غضب الفئات المتطرفة من الإيرانيين وقاموا بحرق السفارة والقنصلية السعودية في إيران، كما أن الموقف الأمريكي لم يكن موقفاً يدين صراحة السلوك الإيراني حفاظاً على إنجازات التقارب بينهما.

في ظل هذا الوضع المزري للأمن القومي العربي والتخاذل الغربي في مساعدة الدول العربية وخاصة التي تقيم قواعد عسكرية على أراضيها للغرب وأمريكا مساعدتها في حماية أمنها وحدودها تبقى لعبة المصالح بين الدول وخاصة الكبرى منها هي سيدة الموقف ولم يُفعل شيئاً لحماية الحدود والتخوم والفضائيات الجوية والبرية والبحرية العربية من الخطر الداهم إليها، ولم تنجح تلك الأموال إلا في كسب مواقف سياسية واهية من دول عربية ضعيفة تتلقى المساعدات المالية من السعودية ودول الخليج ليس لها تأثير يذكر في الساحة السياسية العربية والدولية فهي تؤيد السعودية في مواقفها ضد إيران و ( الإرهاب) وهي مواقف مدفوعة الثمن طالت كل من ( السودان وجيبوتي وإرتريا وجزر القمر وغيرها من الدول العربية ذات الإقتصاد المتردي، وحتى أن فلسطين التي يبدو أنها لم تتعلم من انزلاقها السابق في تأييد صدام حسين في غزوه للكويت.

وأخيراً ننهى هذا المقال بتصور أن الأمن القومي العربي لم يعد له وجود فعلي في ظل غياب دوراً فاعلاً للجامعة العربية المترهلة والمتآكلة، وغياب الجدية لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتي كان لدول الخليج الدور الرئيسي في إضعافها ومحاربتها من خلال فصل أمنها الوطني عن الأمن القومي العربي خلال إنشاء منظومة دول التعاون الخليجي، وذراعها العسكري المتمثل في ( درع الجزيرة).

هذا التشرذم العربي والمؤامرات الخارجية وصناعة الإرهاب العابر للحدود العربي سيبقى معولاً أساسياً في هدم النظام العربي والأمن القومي العربي حيث بات تقسيم الوطن العربي قاب قوسين أو أدنى.

د. عز الدين حسين أبو صفية

اخر الأخبار