«عقل البنتاجون»: من هنا تبدأ كوارث العالم

تابعنا على:   18:05 2016-05-15

أمد/ القاهرة: تبدو قراءة هذا الكتاب أقرب إلى قراءة قصة من روايات الخيال العلمى؛ سطوره تحمل حكايات عن مستقبل تكون فيه الحروب بلا بشر، وتخوض فيه الآليات والغواصات والطائرات معاركها دون وجود إنسانى. مستقبل تحوم فيه حشرات وطيور آلية، لا تختلف فى هيئتها عن مثيلتها الحقيقية، تكون مهمتها هى تصفية أعداء «أمريكا» ببضعة جرامات تحملها من الكيماويات والمتفجرات.

نحن بعيدون جداً عن هذا العالم الذى يقترب من الغد، بل يجعل المستقبل «حاضراً» على يد وكالة أمريكية تابعة للجيش، تحمل اسم «وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة». نسمع اسمها أحياناً مقترناً ببعض الاختراعات التى غيرت وجه الإنسانية والعالم مثل شبكة الإنترنت، أو عندما يأتى ذكرها فى بعض أفلام الخيال العلمى، التى تتحدث عن وكالة أمريكية قابعة فى الظلال، لا تتردد فى تجنيد أفضل العقول فى العالم لتطوير مخترعاتها التى تستخدم فى حروب الجيش الأمريكى، بما فيها عقول مؤلفى روايات الخيال العلمى أنفسهم.

 

أمريكا تنوى أن تكون حروبها المقبلة خالية من «الجنود البشر».. وتعتمد على الضرب من بعيد بغواصات ودبابات ومدرعات بلا قائد ودون اشتباك مع الهدف

فى تلك الوكالة التى لا يعرف عنها الناس الكثير، على الرغم من أنها تطور كل أنظمة التعقب والتجسس التى تسمح بمعرفة كل شىء عنهم، تتهاوى الحواجز ما بين الواقع والخيال، وما بين المستقبل واليوم، لا يوجد هناك شىء اسمه «قانون أخلاقى» يمنع إشعال الحروب فى مناطق مختلفة من العالم، لمجرد تجربة أو اختبار سلاح أو اختراع جديد توصل إليه علماء الوكالة. حرب «أفغانستان» مثلاً كانت ساحة لتجربة الطائرات دون طيار للمرة الأولى، وحروب الخليج كانت تتم فيها تجربة نظام تحديد المواقع، الذى تم استخدامه تجارياً بأرباح خيالية فيما بعد. ولم يتم الكشف بعد عن ابتكارات واختراعات الوكالة، التى يختبرها الجيش الأمريكى، ويقوم بتجربتها فى ضرباته فى العراق وسوريا اليوم.

تلك الوكالة التى تعمل فى ظلال وزارة الدفاع الأمريكية، أو البنتاجون، وبرعايتها، تستحق عن جدارة وصف «عقل البنتاجون»، وهو العنوان الذى حمله كتاب أمريكى جديد، حقق مبيعات قياسية فى الأسواق الأمريكية، للكاتبة الصحفية «آنى جاكوبسون»، التى أضافت لعنوان كتابها أنه يمثل «تاريخاً دون رقابة لوكالة الأبحاث الأمريكية شديدة السرية».

ربما كانت الوكالة شديدة السرية، إلا أن «آنى جاكوبسون»، كانت أيضاً باحثة شديدة الجدية، تعقبت تاريخ الوكالة منذ نشأتها، لتقدم تفاصيل واسعة، لوكالة تحدد مصير عالم اليوم بناءً على ما تراه غداً، وتنظر إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد الأحداث اليومية والمعارك السياسية التى ينشغل بها الجميع. تبدأ «آنى جاكوبسون» تعريفها للوكالة الغامضة قائلة: إن وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، والتى يطلق عليها اختصاراً لقب «داربا»، هى أكثر الهيئات العلمية العسكرية نفوذاً وإنتاجية فى العالم. هى أيضاً وكالة شديدة السرية، لا يعرف الناس عنها الكثير، ربما باستثناء أن مهمتها الأساسية هى أن تحدث «ثورات» فى مجال العلوم العسكرية، وأن تحرص على أن تفرض الولايات المتحدة نوعاً من الهيمنة التكنولوجية على باقى العالم.

تشكلت وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة الأمريكية بقرار من الكونجرس عام ١٩٥٨. وظلت تعمل منذ ذلك الوقت باعتبارها وكالة الأبحاث المركزية والأساسية فى قلب وزارة الدفاع. خصصت لها ميزانية تصل إلى ٣ مليارات دولار سنوياً، وهى تختلف عن أى وكالة أبحاث أمريكية أخرى فى أنها لا تقوم ببحوث علمية بالمعنى المتعارف عليه. إن مديرى الوكالة والمسئولين عن برامجها يسعون للتعاقد مع أساتذة الجامعات، والأكاديميين من مختلف التخصصات، وكذلك مع الهيئات الحكومية الأخرى لتنفيذ مشروعات عسكرية بعينها، ثم تقوم بدور همزة الوصل بينهم وبين الجيش الأمريكى، بحيث تضع نتائج أبحاث هؤلاء الأكاديميين والعلماء الناجحة تحت تصرف الجيش ليستخدمها فى تطوير أسلحته وعملياته كما يشاء.

وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة هى أكثر الهيئات العسكرية نفوذاً وسرية فى العالم.. ومهمتها إشعال «ثورات» فى مجال العلوم العسكرية ولو بإشعال الحروب

وتتابع: تتحرك الوكالة بمرونة وسرعة وثقة، متحررة من العديد من العوائق البيروقراطية التقليدية والمعتادة، بلا خطوط حمراء ولا سقف يحدها كما يحدث لباقى الوكالات الحكومية الأخرى. وهى تمارس مهامها محافظة على عدد محدود جداً من العاملين فيها، فعلى مدى ستين عاماً، قامت الوكالة بتعيين نحو ١٢٠ مديراً لمشروعاتها سنوياً، يستمر كل واحد منهم فى ممارسة مهامه لمدة لا تتجاوز الأعوام الخمسة. معظم هؤلاء المدراء من العلماء المرموقين فى مجالاتهم، يتولى الواحد منهم مهمة إطلاق المئات من المشروعات البحثية والإشراف على سير العمل فيها، وتوظيف عشرات الآلاف من العلماء والمهندسين والتقنيين الذين يعملون على تنفيذها فى المعامل الحكومية والمعامل التابعة للجامعات سواء الموجودة على الأراضى الأمريكية، أو خارجها.

يمتلك مديرو برامج الوكالة سلطة وصلاحيات واسعة حتى فى قلب سلسلة القيادة الأمريكية المعروفة بتشددها فى حالات أخرى. لديهم صلاحية إطلاق أو مواصلة أو إيقاف مشروع بعينه دون الحاجة لأى تدخل خارجى. وبمجرد أن تصبح الأسلحة أو البرامج العسكرية أو أنظمة التسليح والدفاع التى تنتج عن أبحاثهم جاهزة للعمل فى ساحة المعركة، تقوم الوكالة بتسليمها إلى أفرع الجيش الأمريكى الجوية والبحرية وقوات المشاة، إضافة إلى وكالات المخابرات والأمن القومى.

 

الوكالة نجحت بالفعل فى إنتاج طائرات دون طيار لا تزيد على حجم الحشرة قادرة على ضرب أى شخص فى أى مكان فى العالم دون إثارة الشبهات

 

وتحرص الوكالة على أن ترسم صورة مدروسة لنفسها فى أعين الناس. من حين إلى آخر تتسرب أخبار وقصص للصحف ووسائل الإعلام تظهر الوكالة على أنها الهيئة العلمية الأكثر تطوراً فى العالم كله، على الرغم من أنها تحرص أيضاً على إخفاء البرامج التى تظهر إمكانية قيامها بالتجسس على الناس ومراقبة نشاطاتهم بما يهدد حرياتهم الشخصية. تظهر الوكالة فى صورتها المثالية فى عناوين عريضة، كالتقرير الذى أذاعته شبكة «سى بى إس» الإخبارية الأمريكية فى خريف ٢٠١٤ بأن «وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة قد نجحت فى ابتكار شرائح يتم زرعها فى البشر لمنحهم القدرة على شفاء أنفسهم من العديد من الأمراض». أو مثل ما نشر فى مجلة «بيزنس إنسايدر» فى الأسبوع نفسه من أن «الوكالة قد اخترعت روبوت، أو إنساناً آلياً له قدرات خاصة قادر على مواجهة تهديدات إرهابية تواجه أمريكا». مثل هذه العناوين والقصص، تظهر حرص الوكالة على أن تقدم نفسها على أنها لا تهتم إلا بتحسين صحة الناس ومعاشهم، على الرغم من أن مهمتها الأساسية الرسمية هى تطوير نظم الأسلحة لمصلحة الجيش الأمريكى.

قد يسمع الناس عن وكالة الأبحاث المتقدمة فى بعض القصص الإخبارية، لكى ينسب لها الفضل فى إيجاد مخترعات مثل شبكة الإنترنت ونظام تحديد المواقع (جى بى إس) المستخدم فى العديد من الهواتف والسيارات ونظم الملاحة فى عالم اليوم، إلا أن هذه الاختراعات «الفارقة» التى أنتجتها الوكالة، هى فى واقع الأمر اختراعات يرجع عمرها إلى نحو ٤٠ عاماً، وهى التى تم الكشف عنها فى وقت قريب، إلا أن باقى ما تقوم به الوكالة من مخترعات وأبحاث ما زال طى الكتمان.

حتى عام ١٩٧٢، كان مقر الوكالة كامناً فى قلب وزارة الدفاع الأمريكية، أو البنتاجون، أما اليوم فإن مقر الوكالة يقع فى مبنى من الزجاج والحديد على بعد أربعة أميال من البنتاجون فى ولاية فيرجينيا الأمريكية. يرفع مدير الوكالة تقاريره مباشرة إلى وزير الدفاع، ويطلق المتحمسون لعمل الوكالة عليها وصف «عقل» أو «دماغ البنتاجون». أما معارضوها فيرون أنها تقع فى قلب الصناعة العسكرية الأمريكية المتشابكة، وأنها قادرة فى أى لحظة على الضغط على أى طرف فيها، بشكل يجعلها دائماً الدافع والسبب الذى يغذى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية، وتعطشها الذى لا ينتهى للحرب، سواء كانت طرفاً فيها أو لها دور فى إشعالها.

ترى الوكالة أنها تجعل المستقبل حاضراً، أنها تغير شكل المجتمع والثقافة والصحة من خلال تقنيات التكنولوجيا التى تقدمها، تحرص على أن تحافظ على ريادتها فى مجال الاكتشافات التكنولوجية، لأنها تدرك جيداً أن عليها تدمير العدو فى ساحات الحروب.

تقول الكاتبة إنها فى سعيها لتأليف الكتاب عن أكثر الوكالات العسكرية الأمريكية غموضاً، التقت بـ٧١ شخصاً ممن كانت لهم صلات عمل بها منذ بداية تأسيسها، بعضهم عملوا كمستشارين علميين لها، أو كمديرين لمشروعاتها، بعضهم جنرالات من الجيش الأمريكى كانوا يتلقون اختراعاتها، وبعض العلماء الحاصلين على جائزة نوبل تعاونوا معها، كلهم اتفقوا على أن الوكالة لا تتردد أحياناً فى أن تكسر القواعد المتعارف عليها فى البحث العلمى، حتى فى الناحية الأخلاقية، باسم الدفاع عن الأمن القومى. إلا أن فى كل الحالات تحرص الوكالة أشد الحرص على سرية ابتكاراتها، لأن عنصر المفاجأة هو الذى يحدث ثورة حقيقية على الأرض. إن الوكالة تجرب اكتشافاتها العلمية فى ساحة المعركة، وبمجرد الكشف عن هذا الاختراع، تسعى الدول الأخرى لتقليد تلك التكنولوجيا، هذا ما حدث مثلاً فى تقنية الطائرات دون طيار التى بدأت الوكالة فى تجربتها فى أوائل الستينات خلال حرب «فيتنام»، كانت وقتها مجرد أجهزة آلية طائرة، وعلى مدى ثلاثين عاماً، تم تسليحها وتطويرها قبل أن يتم تجربة أول طائرة دون طيار فى ساحة القتال فى أفغانستان فى أكتوبر ٢٠٠١. وعندما بدأ العالم يسمع وقتها عن غارات الطائرات دون طيار، كانت تكنولوجيا الوكالة الأمريكية قد سبقت منافسيها بعدة أجيال، وبدأت الدول الأخرى تسعى لامتلاك تكنولوجيتها الخاصة بتلك الطائرات، وفى عام ٢٠١٤، كانت هناك ٧٨ دولة تملك تكنولوجيا خاصة بالطائرات دون طيار.

والواقع أن الطائرات دون طيار كانت هى أول الغيث فى سلسلة طويلة من التجارب التى أطلقتها الوكالة لتصبح هى التى تحدد شكل الحروب التى تدخلها الولايات المتحدة فى المستقبل، والتى سيكون أساسها هو الطائرات دون طيار، فى ربع القرن المقبل على الأقل.

 

الطائرات دون طيار كانت أول مؤشر على شكل حروب أمريكا فى المستقبل والذى ترسمه الوكالة لربع قرن مقبل على الأقل

تنوى أمريكا أن تكون حروبها فى الخمسة والعشرين عاماً المقبلة حروباً خالية من البشر، من الجنود الذين يمكن أن تضيع أرواحهم فى ساحات المعركة. رؤيتها لأسلحة المعارك المقبلة لا تختلف كثيراً عن مبدأ الطائرات دون طيار التى تعتمد على الضرب من بعيد، بدرجة عالية من الدقة ودون اشتباك فعْلى مع الهدف. ستكون هناك، إضافة للطائرات دون طيار، غواصات ودبابات ومدرعات بلا قائد، وحتى أنظمة صواريخ ودفاع جوى خالية من الفنيين البشريين.

ويرى المراقبون أن الوكالة قد نجحت على الأرجح بالفعل فى إنتاج سرب من الطائرات دون طيار التى لا يزيد حجم الواحدة منها على حجم الحشرة. قادرة على الوصول إلى أى مكان فى العالم بشكل يمنح الولايات المتحدة أفضلية قتالية عالية فى السنوات المقبلة. كان أول نموذج أنتجته الوكالة لهذه الطائرات هو النموذج الذى كان يلقب بـ«الأرملة السوداء»، وهى آلية طائرة لم يكن وزنها يزيد على ٤٠ جراماً، ويبلغ طولها نحو ١٥ سنتيمتراً. بدأ استخدامها فى المراقبة من خلال تزويدها بكاميرا قادرة على التصوير فى مدة تحليق تستمر لـ٢٢ دقيقة مع قدرة عالية على الاختفاء والمناورة، خاصة أنه لا يمكن سماع صوتها وسط الضوضاء العادية، ويقول العلماء الذين شهدوا تجارب الاختبار على «الأرملة السوداء» إنها تبدو أقرب إلى طائر صغير، منها إلى طائرة، ويصعب كشفها على من لا يركز بحثه عليها بالتحديد.

كان ذلك عام ١٩٩٩، أما ما تعمل عليه الوكالة منذ تلك الفترة، فهو تحويل الآليات الطائرة مثل «الأرملة السوداء» من مجرد أدوات للمراقبة، إلى وسائل للاغتيال.

ترتكز تلك الرؤية على أن تلك الآليات الطائرة متناهية الصغر يمكن أن يتم تزويدها بمتفجرات تتناسب مع حجمها، قادرة على استهداف الأشخاص وتصفيتهم ببضعة جرامات من المتفجرات. وفى ٢٠١٤، قدمت الوكالة العديد من تلك المخترعات إلى الجيش الأمريكى، جاهزة للاستخدام على أرض المعركة التى يختارها، وفى التوقيت نفسه تقريباً، أعد سلاح الجو الأمريكى فيديو مصوراً يظهر الدور الجديد الذى يمكن أن تقوم به الآليات الطائرة الجديدة التى قدمتها وكالة الأبحاث المتقدمة، واستوحت تصميماتها وقدراتها من الحشرات والزواحف، لتصبح قادرة على التحرك فى أضيق نطاق ممكن، محدثة أكبر ضرر يمكن تخيله.

بدأ الفيديو الأمريكى بسيناريو يتخيل فيه شكل الحرب المقبلة، التى ستبدأ بتساقط مئات الطائرات متناهية الصغر على هيئة تشبه هيئة الطيور الصغيرة، من طائرة دون طيار، ثم تنتقل الكاميرا إلى الأرض لتظهر رجلاً ما يوقف سيارته أمام مبنى خرسانى، وعلى مسافة غير بعيدة منه، يقف طائر على أحد أسلاك الاتصالات. يقول التعليق المصاحب للفيديو إن الحجم المتناهى الصغر للطائرات الجديدة، يسمح لها بالتخفى على مرأى ومسمع من الجميع، ثم تقترب الكاميرا لتكشف أن الطائر الواقف على سلك الاتصالات هو فى واقع الأمر طائرة مراقبة صغيرة، وأن رأسه عبارة عن كاميرا عالية الدقة.

يدخل الرجل إلى شقة ما فى المبنى الخرسانى، دون أن ينتبه إلى أن هناك «حشرة» صغيرة قد تبعته فى الدخول إلى هناك، هذه الحشرة هى فى واقع الأمر من أحدث اكتشافات الوكالة، يصفها الفيديو بأنها «تكنولوجيا لا يمكن اكتشافها، قادرة على استخدام نظم تعقب شديدة التعقيد، والوصول لمناطق يستحيل على القوات البشرية أن تصل إليها دون إثارة الانتباه»، قد ينضم إلى الحشرة «المراقبة» سرب آخر من الإلكترونيات المراقبة التى تتخذ هيئة الحشرات لمسح منطقة بعينها، وفى الفيديو، ظهر أن الرجل الذى تدور حوله الأحداث، هو إرهابى يستعد لاغتيال شخصية ما، ويقوم بإعداد بندقيته الخاصة بالقنص، لكن، قبل أن يطلق رصاصته، تندفع إليه واحدة من الآليات متناهية الصغر، التى تسللت إلى المكان على هيئة حشرة، وتحوم حول مؤخرة رأسه.

يقول الفيديو إن تلك الآليات متناهية الصغر ليست مخصصة فقط للمراقبة والتتبع، لكنها قادرة أيضاً على تنفيذ عمليات هجوم مباشرة، حاملة فى داخلها شحنات من الكيماويات السامة، أو حتى المتفجرات. تقترب الآلية الصغيرة من مؤخرة رأس القناص، وعند نقطة مدروسة منها، تقوم بتفجير شحنتها، ويسقط الإرهابى صريعاً على الأرض.

 

وتعليقاً على هذا الفيديو، تقول الوكالة الأمريكية إن هذا «علم»، وليس «خيالاً علمياً».

ويضيف الكتاب: إن الخيال العلمى قادر على أن يعيد تشكيل الواقع، بما فيه واقع الحروب على الأرض من جديد، خلال الحرب على الإرهاب، التى بدأت بعد ضرب مركز التجارة العالمى فى أمريكا، سعى «عقل البنتاجون»، ممثلاً فى وكالة الأبحاث المتقدمة، إلى البحث عن أفكار لأسلحة جديدة، متطورة وغير تقليدية من روايات الخيال العلمى، وكتابها الذين يجد بعضهم طريقهم إلى شاشات السينما، بل كانت هناك منظمة مدنية تدعى «سيجما»، تم تأسيسها خصيصاً لهذا الغرض، يقول صاحبها «آرلان آندروز» إن الهدف من تأسيس مجموعة «سيجما» هو إنقاذ العالم من الإرهاب، ولهذا بدأت المجموعة التى تضم عدة كتاب ومؤلفين فى مجال الخيال العلمى، يقدمون استشارات تحاول أن ترسم شكل المستقبل وتهديداته وحروبه، وتقدم هذه الاستشارات للبنتاجون وللبيت الأبيض، رافعة شعار: «الخيال العلمى فى خدمة المصلحة القومية».

يدرك هؤلاء القائمون على تأمين وحماية الولايات المتحدة من التهديدات الخارجية أن عليهم أن يفكروا فى أفكار جنونية، غير تقليدية وخارج الصندوق، لكى «يتخيلوا» شكل التهديدات التى يمكن أن تواجه العالم، ويتخيلوا أيضاً كيف يمكن لهم مواجهتها. تدخل منظمة «سيجما» هنا، بأعضائها الذين يحملون شهادات دكتوراه فى مجالات تكنولوجية متقدمة، ويعملون أحياناً فى مراكز دفاعية ونووية، لكنهم يعتبرون أنفسهم أيضاً مؤلفين لأدب الخيال العلمى الذين يفتح لهم آفاقاً جديدة يتخيلون بها شكل التكنولوجيا المقبلة فى العالم، والمشكلات التى يمكن أن تواجه مجتمعات عالم الغد. بعض هؤلاء العلماء والأدباء شاركوا أيضاً فى تأليف وكتابة عدة أفلام ومسلسلات ناجحة فى أمريكا مثل ملفات «إكس»، التى تتحدث عن المؤامرات الحكومية الأمريكية لإخفاء أسرار شديدة الغموض عن الناس، ومثل سلسلة أفلام «ترميناتور»، التى تدور حول قاتل نصف آلى يعود بالزمن لإنقاذ البشر من طغيان آلات الذكاء الاصطناعى عليهم، وغيرها.

أن تكون أمريكا قادرة على أن تخوض حروبها على بعد قارات من دون أن تخسر الكثير من أرواح «جنودها»، هذا هو هدف الوكالة فى المستقبل القريب أو البعيد. لكن لم تقل مؤلفة الكتاب، أو أنها لم ترغب فى أن تقول، كم روحاً «غير أمريكية» أزهقت، بعيداً عن الحدود والأراضى الأمريكية، فى معركة أو صدام أو حرب، ربما يكون بعضها قد نشب فى الأساس لمجرد اختبار مدى دقة تصويب وفاعلية اختراع عسكرى، وصلت عبقرية صانعيه إلى حد جعله فى حجم حشرة، ووصلت وحشيتهم إلى حد اعتبار ضحاياه مجرد حشرات.