مؤامرة الدولار.. السوق السوداء تتآمر على مصر بالورقة الخضراء..

تابعنا على:   16:57 2016-05-15

أمد/ القاهرة: «الدولار» هو كلمة السر التى تكمن فى عودة انتعاش الاقتصاد المصرى مرة أخرى، الذى بدأ يعانى حالة من الركود، جراء نقص الورقة الخضراء، نتيجة عدم قدرة المصانع على استيراد مكونات الإنتاج، لإعادة تدوير العملة، والأعباء المتزايدة التى تتكبدها الحكومة لاستيراد السلع الأساسية وتوفيرها للمواطنين بأسعار مناسبة، خاصة السلع الغذائية كالقمح، والمواد البترولية.

 وفى محاولة لتشريح أزمة نقص العملة الصعبة، وهل تدخل قضية نقص الدولار ضمن نظرية المؤامرة التى قد تكون داخلية أو خارجية من أطراف متربصة، لتقويض قدرات الاقتصاد المصرى، ووقف محاولات النمو، نجد أنه ربما تنطبق هذه النظرية بصورة كبيرة على الأزمة الحالية، ولكنها لن تكون بالكلية، نتيجة مؤامرة.

وشهدت أسعار الدولار فى السوق السوداء تذبذبات كبيرة، وبدأ فى الارتفاع بعد قرارات البنك المركزى فى يناير برفع الحد الأقصى للإيداع النقدى بالعملات الأجنبية إلى 250 ألف دولار شهريا من 50 ألفا، وبدون حد أقصى للإيداع اليومى، وذلك لتغطية واردات بعض السلع والمنتجات الأساسية. ولكن كسر سعر الدولار حاجز الـ 9 جنيهات، لأول مرة منتصف فبراير، فى أعقاب خبر أوردته، وكالة رويترز للأنباء حول احتساب وزارة المالية لسعر الدولار، فى موازنة العام المالى المقبل، بقيمة 8.25 جنيه، فى الوقت الذى كان سعره الرسمى بالبنك المركزى 7.83 جنيه.

ومع استمرار صعود العملة الخضراء فى السوق السوداء، فاجأ البنك المركزى السوق بقرار خفض الجنيه بنسبة تخطت 14% دفعة واحدة فى 14 مارس الماضى، بقيمة 112 قرشا، ليستقر سعر الدولار رسميا عند 8.95 جنيه، فى محاولة لامتصاص ارتفاعات الأسعار المتواصلة بالسوق الموازية، وهو القرار الذى تسبب فى حالة من الترقب بالسوق السوداء، أعقبه قرار آخر من البنك المركزة برفع قيمة الجنيه، بواقع 7 قروش فى عطاء استثنائى عقب قرار الخفض بيومين.

 ولم ينجح أى من قرارات البنك المركزى فى كبح جماح الدولار الذى قفز ليسجل 10 جنيهات، لأول مرة بالسوق السوداء فى 28 مارس الماضى، وسط تزايد الطلب على العملة، لدرجة أن السعر كان يحقق أكثر من قفزة فى اليوم الواحد، ويختلف من مكتب صرافة لآخر.

وواصل الدولار قفزاته المتوالية ليسجل 11 جنيها، لأول مرة فى 19 أبريل الماضى، وهو ما اتخذ معه البنك المركزى رد فعل بشطب 9 شركات صرافة نهائيا، وهو الإجراء الذى أربك السوق، وبالتوازى تم الإعلان عن وديعة من الإمارات بقيمة 2 مليار دولار، لدعم الاحتياطى النقدى الذى هبط أكثر من النصف منذ ثورة 25 يناير، بعد أن كان 36 مليار دولار عام 2010.

 ونتيجة هذه المستجدات عاود الدولار التراجع بالسوق السوداء لما دون مستوى 10.5 جنيه، ولكن هذا التراجع لم يدم طويلا، حيث عاود الأسبوع الماضى الارتفاع، متخطيا 11 جنيها مرة أخرى.

هذه الاهتزازات المتواصلة لسعر العملة بالسوق السوداء، تؤكد أنه لا مجال للشك، فى أن أى إجراءات يتخذها البنك المركزى، دون تمكن الدولة من توفير الدولار المطلوب، لسد حاجة الاستيراد، التى تتخطى 80 مليار دولار سنويا، لن تحدث سوى آثار وقتية، لتعاود السوق السوداء نشاطها بقوة. وتتمثل أهم مكونات موارد العملة الصعبة للاقتصاد المصرى فى 5 إيرادات أساسية، هى: تحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، وعائدات قناة السويس، والصادرات، وتدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر. وطبقا لأحدث بيانات صادرة عن البنك المركزى المصرى عن فترة نصف العام المالى الحالى «يوليو – ديسمبر» 2015/2016، نجد أن إجمالى قيمة هذه الإيرادات خلال الـ 6 أشهر، بلغ 25.8 مليار دولار، وحسب البيانات شكلت إيرادات الصادرات المصرية، المصدر الأول، من حيث القيمة، بواقع 35.3% من إجمالى هذه الإيرادات، تليها تحويلات العاملين المصريين بالخارج بنسبة 32.2%، ثم الاستثمار الأجنبى المباشر بنسبة 12%، تليها السياحة بنسبة 10.5%، وفى النهاية رسوم قناة السويس التى شكلت إيراداتها 10% من حجم الموارد الدولارية، خلال فترة التقرير.

هذا الترتيب كان وراؤه العديد من العوامل، حيث صاحبته تغيرات كبيرة على المستوى الاقتصادى داخليا وخارجيا، أدت لزيادة مساهمة مصادر فى الإيرادات الدولارية، مقابل تراجع آخر، وهو ما سيأتى ذكره لاحقا، إلا أن هذا التغير يكشف إلى أى مدى تتعرض مصادر العملة الأجنبية لضغوط، تحد من تدفقاتها للاقتصاد المصرى، وهو ما يستدعى قيام الحكومة بإجراءات تتخطى جهود محاربة السوق السوداء بالداخل، لأن السبب الرئيسى لأزمة الدولار، هو تراجع تدفقاتها، وهو ما خلق قلة فى المعروض منه، تتجاوز معدلات الطلب عليه، لتوفير السلع التى نستوردها، حيث تعانى مصر عجزا دائما فى الميزان التجارى، نتيجة زيادة الصادرات عن الواردات، بلغت قيمته 8.9 مليار جنيه، خلال فترة التقرير، مقابل 4.3 مليار دولار، خلال نفس الفترة من العام الماضى.

 1 – الصادرات المصرية الصادرات المصرية تشكل المصدر الأول من مصادر تدفقات العملة الصعبة، طبقا للتقرير السابق الإشارة إليه، ولكن هذه الصادرات تراجعت من 12.3 مليار دولار فى النصف الأول من العام المالى السابق إلى 9.1 مليار دولار، خلال الفترة نفسها من العام المالى الجارى. وكان السبب الرئيسى وراء هذا التراجع هو انخفاض أسعار البترول العالمية بمعدلات تخطت 50% خلال فترة التقرير، وبلغت قيمة تراجع الصادرات البترولية فقط 2.2 مليار دولار خلال الفترة، حسب ما ذكره التقرير.

وفى أكثر من تقرير صادر عن جمعية رجال الأعمال المصريين، والاتحاد المصرى لجمعيات المستثمرين، حول أسباب تراجع الصادرات، رغم انخفاض قيمة الجنيه، كان تراجع دعم المساندة التصديرية للشركات بنسبة 50% سببا رئيسيا وراء الانخفاض، بخلاف ما أكده خبراء من ارتفاع تكلفة استيراد مكونات الإنتاج، نتيجة ارتفاع سعر الدولار، وعدم توافره والبيروقراطية الحكومية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تراجع حجم الصادرات المصرية بصورة مستمرة خلال الأشهر الماضية، 2 – تحويلات العاملين المصريين بالخارج تأتى تحويلات فى المرتبة الثانية لأهم مصادر توفير العملة الصعبة لمصر، وقد تعرضت تدفقات التحويلات لتراجعات ظهرت ملامحها بأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزى، التى واكبت بدايات أزمة السوق السوداء للدولار، حيث انخفضت هذه التحويلات خلال الـ6 أشهر الأولى من العام المالى الحالى 2015/2016، مسجلة 8.3 مليار دولار، مقابل 9.4 مليار دولار دخلت شريان الاقتصاد المصرى، خلال الفترة نفسها من العام الماضى، بنسبة تراجع 10.6%. وقد تظهر حدة الأزمة فى نتائج النصف الثانى من العام المالى الجارى الذى ينتهى فى 30 يونيو المقبل، والذى واكب حدة المضاربات على الدولار فى السوق السوداء، والذى أضر بالاقتصاد القومى بالغ الضرر.

 وتنطبق نظرية المؤامرة بصورة كبيرة على هذا المصدر المهم جدا للعملة الصعبة، حيث تتكالب جهات عدة للإضرار بالاقتصاد القومى من خلال منع تدفقات العملة الصعبة من المصريين العاملين بالخارج من الدخول عبر القنوات الرسمية، وهى جهات لا تقتصر على تجار العملة الذين يبحثون عن مصالحهم الخاصة على حساب الاقتصاد، وإنما قد يتجاوز الأمر جماعات سياسية وأنظمة دولية، من مصلحتها تقويض الاقتصاد المصرى، وتحطيم قدراته على النمو والانطلاق والخروج من كبوته.

وظهرت بالخارج، خاصة فى دول الخليج، مجموعات من تجار العملة تقوم بشراء الدولار من المصريين العاملين بالخارج، بأسعار مرتفعة تتجاوز سعر السوق السوداء فى مصر، ففى الوقت الذى كان يباع فيه الدولار بالسوق السوداء داخل مصر بحوالى 9 جنيهات، كان سعره يصل 12 جنيها بالسوق السوداء خارج الحدود المصرية، وهو ما يوضح حجم الحملة الشركة لمنع تدفقات الدولار من الأساس عن مصر.

 وهذا ما أكده صلاح يوسف، المنسق العام لاتحاد المصريين فى الخارج، والمقيم بمدينة جدة بالسعودية، والذى قال فى تصريحات له خلال مداخلة تليفزيونية لإحدى الفضائيات المصرية، إن هناك حملات لمنع وصول تحويلات المصريين فى الخارج إلى مصر.

وأوضح صلاح خلال مداخلة هاتفية لإحدى البرامج التليفزيونية، أن بعض الأشخاص المنتمين لتنظيم الإخوان والذين يملكون شركات للسياحة وللصرافة فى مصر، لهم مندوبون فى السعودية، ويقومون بجمع الريال من المصريين، ما أثر على التحويلات، مؤكدًا أن البنك المركزى يستطيع أن يؤكد ذلك.

 وأضاف: «مندوبو الإخوان موجودون فى السعودية والإمارات والكويت يقومون بجمع الريالات بأسعار أكبر وصلت إلى 2 جنيه ونصف، و2 جنيه و80 قرشا»، مؤكدًا أنه قام بإبلاغ السلطات حيال ذلك، وتم اتخاذ الإجراءات ضدهم. وأشار إلى أن هذه العملية بدأت منذ بداية شهر فبراير الماضى، مؤكدا قلة معدل تحويلات المصريين فى الخارج، حيث كانت 22 مليارا فى 2014، ووصلت إلى 16 مليارًا فى عام 2015، نتيجة لعملية شراء العملات التى تقوم بها عناصر الإخوان.

 3 – إيرادات السياحة السياحة المصرية هى أكثر من تعرض لمؤامرات داخلية وخارجية منذ اندلاع ثورة 25 يناير، فلا تمر أشهر قليلة على تنفسها الصعداء، حتى يضربها حادث إرهابى يقضى على ما تبقى منها، لتهوى عائدات السياحة من متوسط 13 مليار دولار عام 2010 إلى متوسط 6 مليارات دولار، خلال عام 2015، وهو ما يعنى فقدان هذا الشريان الحيوى للعملة الصعبة، أكثر من نصف عائداته الدولارية سنويا، بسبب الإرهاب.

وطبقا لأحدث بيانات البنك المركزى، فقد تراجعت إيرادات السياحة المصرية من العملة الصعبة، خلال النصف الأول من العام المالى الحالى 2015/2016 إلى 2.7 مليار دولار، مقابل 4 مليارات دولار، خلال الفترة من العام الماضى، بنسبة تراجع كبيرة بلغت 32.5%.

 ولا يخفى على أحد ما تعرض له قطاع السياحة المصرية من ضربات متتالية على أيدى الإرهاب، خاصة بعد أحداث ثورتى 25 يناير و30 أبريل التى أعقبتها حالة الانفلات الأمنى، وهو ما رصدته دراسة علمية أجراها طالبان بالفرقة الرابعة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، هما روبرتو ناصر وماركو عطا الله، بعنوان «أثر الأزمات المحلية والعالمية على قطاع السياحة فى مصر واستراتيجيات للحد منها»، وتوصلت الدراسة للعديد من أسباب تراجع إيرادات السياحة فى مصر، خاصة فى الفترة من 2011 إلى 2014، لثلاثة أسباب، أولها الاضطراب الأمنى الذى يسود البلاد فى السنوات الأخيرة، والأعمال الإرهابية التى تهدد الدولة والسائحين أيضاً، وضعف الإعلام والترويج السياحى فى مصر، والسبب الثالث هو ضعف السياحة الحديثة فى مصر، لارتكازها على الآثار والتراث القديم فقط.

 وقالت الدراسة إنه خلال الفترة المذكورة شهدت البلاد، ثورتين شعبيتين متتاليتين، أثرتا بالسلب على الأداء الاقتصادى والسياحى للدولة، بسبب الأحداث الإرهابية والمظاهرات والانفلات الأمنى، مما أدى لانخفاض ملحوظ فى حجم الإيرادات السياحية خلال العام المالى 2013/2014 بنسبة 47.9% مقارنة بعام 2012/2013، وذلك نتيجة للانخفاض الكبير فى أعداد السائحين القادمين بنسبة 34.7%، حسب ما رصدته الدراسة.

وكان آخر الأحداث الإرهابية التى تسببت فى التأثير الأكبر على القطاع السياحى خلال العام الماضى. هو حادث سقوط الطائرة الروسية فى منطقة وسط سيناء أكتوبر الماضى، وهو الحادث الذى مازالت التحقيقات جارية بشأنه دون أن يعلن رسميا حقيقة كونه حادثا إرهابيا، والذى أسفر عن مقتل 224 سائحا، وحظر السياحة الروسية والأوروبية لحين اتخاذ الحكومة المصرية إجراءات قوية لتأمين مطاراتها.

 4 – الاستثمار الأجنبى المباشر وعلى عكس موارد النقد الأجنبى السابقة، فقد ارتفعت قيمة الاستثمار الأجنبى المباشر بالعملة الصعبة خلال النصف الأول من العام المالى الجارى 2015/2016، مسجلة 3.1 مليار دولار، مقابل 2.6 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالى الماضى، وهو ما أرجعه البنك المركزى إلى نتيجة ارتفاع صافى التدفق للداخل للاستثمارات الواردة لتأسيس شركات أو زيادة رؤوس أموالها ليصل إلى 2.5 مليار دولار، مقابل 1.4 مليار دولار فى الفترة المناظرة.

 وتعتبر الاستثمارات المباشرة فى أعلى مستوى لها، منذ اندلاع ثورة 25 يناير، حيث تراجعت من 6.7 مليار دولار عام 2009/2010 إلى 2.2 مليار دولار فقط عام 2010/2011. وشهد عام 2007/2008 أعلى معدل استثمار إجنبى مباشر فى مصر على الإطلاق بواقع 13 مليار دولار، وهو ما يوضح حجم الأزمة الحالية من تدنى حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، رغم عودتها للصعود.

 5 – عائدات قناة السويس أما عائدات قناة السويس بالدولار، فقد حققت عائدات قدرها 2.646 مليار دولار، خلال النصف الأول من العام المالى الجارى، مقابل 2.857 مليار دولار إيرادات محققة، خلال نفس الفترة من العام المالى الماضى، حسب ما رصده البنك المركزى المصرى، فى تقرير الأخير بشأن أداء ميزان المدفوعات، خلال النصف الأول من العام المالى الحالى 2015/2016.

وطبقا لما أعلنته هيئة قناة السويس فى مؤتمر صحفى يناير الماضى عن تطور إيرادات الهيئة خلال عام 2015 – عام ميلادى – فقد انخفضت إيرادات مصر من قناة السويس فى عام 2015 إلى 5.175 مليار دولار بسبب تقلبات الاقتصاد العالمى وانخفاض أسعار النفط العالمية، لكن عدد السفن العابرة للقناة شهد زيادة طفيفة، هذا فى حين كانت إيرادات قناة السويس عام 2010 حوالى 4.8 مليار دولار، طبقا لبيانات الهيئة التى أعلنها رئيسها السابق، الفريق أحمد فاضل.

وبلغت إيرادات مصر من قناة السويس فى عام 2014 حوالى 5.465 مليار دولار، أى أن الإيرادات السنوية انخفضت بنحو 290 مليون دولار، حسب ما نقلته وكالة رويترز للأنباء، خلال المؤتمر الصحفى. ومن المتعارف عليه أن عائدات قناة السويس تنعكس عليها بصورة مباشرة حركة التجارة العالمية، وهى الحركة التى تعانى من تباطؤ. بالمليار دولار.. طبقا لبيانات البنك المركزى يوليو – ديسمبر 2015/2016

اخر الأخبار