دولة الفن والإبداع والثقافة: لقد فعلها الفلسطينيون

تابعنا على:   16:14 2016-05-14

تحسين يقين

إهداء إلى ربعي المدهون

رواية "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة"، بما تثيره من مقترحات فكرية وسياسية وإنسانية حول الصراع والذاكرة والأرض، هي رواية التفكير في المصير، لذلك جاء جمع المفرد، لمصائر، من منطلق إنساني طليعي، حتى وإن اختلفنا، ستظل المقترحات قابلة للعيش والتجلي على ا؟لأرض وفي البشر.

 تتجلى أهمية الأدب والفن في كونهما يثيران الفكر والأسئلة أثناء الاستمتاع بالقراءة والمشاهدة، ربما تلك خلاصة النقد في كل زمان ومكان، وإن تأخذ الخلاصة تجليات ومسميات مختلفة حسب عصرها.

"هناك الف باء جيم..

وهناك الف باء تاء ثاء..

كلما يراد لهذه البلاد أن تتقسم، فإنها تكتمل"، تلك كانت كلماتي وأنا أقدّم لكتابي "القدس تجوال العين والروح في أمسية دار الجندي التي أصدرت الكتاب في معرض الكتاب ، فهل قلت ما قلته متأثرا بكلمات الروائي ربعي المدهون، حين قال:

"لقد بنى المثقفون الفلسطينيون دولة من فن وابداع وثقافة".

قالها الكاتب والروائي ربعي المدهون ، في لحظة تجل وطنية خلال إلقائه كلمة الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية-البوكر.

 وهو بحديثه الرمزي عن دولة المثقفين، يعود بنا إلى مشهد محاكمة السيد المسيح عليه السلام، حين وقف أمام بيلاطس الحاكم الروماني، قائلا في لحظة تجل عظيمة أخرى:

"مملكتي ليست من هذا العالم"!

لكلمات الكاتب المدهون دلالات عدة، لعلنا نقف عند بعضها:

-  دلالة الرواية فنيا كعمل أدبي في الحفاظ على الرواية الفلسطينية تجاه قضيتنا النبيلة. فما دام هناك رواية لأصحاب الأرض الأصليين، فإنهم أقوياء بها. وتلك مسؤولية ورسالة الكتاب والكاتبات في الإلحاح على صون السردية-الملحمية لشعبنا، الذي أريد له النفي من باب فعاد من شبابيك كثيرة.

-  دلالة الانعتاق الإنساني للفلسطينيين، من خلال رؤية الأنسنة، في ظل عنصرية الرؤية الاستعمارية الإسرائيلية في مجملها، باستثناءات محدودة، وهذا يشهد عليه العالم.

-  دفعنا جميعا للتفكير بعمق حول الكيانية، ومعنى استحقاقاتها السياسية، والقانونية، من خلال الاستحقاق الإنساني-الإبداعي، حيث تتقزم كيانية القوة العسكرية الإسرائيلية التي تحتل فلسطين بالقوة أمام كيانية الإبداع الإنساني، الذي يضع فلسطين على تضاريس العالم ثقافيا.

-   دور المثقفين يأتي استكمالا، واستباقا أيضا للدور الوطني التحرري، باتجاه إنجاز حق تقرير المصير لشعبنا، حيث سعى المناضلون/ات وما زالوا من خلال مجالات أخرى لإثبات الذات الفلسطينية الحاضرة.

-  إن مجموع النجاحات الفردية للفلسطينيين، في مجالات الإبداع المختلفة، من آداب وفنون واقتصاد وتجارة وعلوم وقانون وغيرها، إنما هي نجاح جمعي لشعبنا.

-  لعل هناك دلالات أخرى لا تتوقف عند دولة المثقفين، ولا عند المدهون والجائزة هذه وغيرها، وهي دلالات إنسانية تتعلق بالإبداع؛ فمن يملك أدواته، ويتابع رحلته الإنسانية-الأدبية، من خلال أصالة التوجه، والصدق الفني، فإنه سيلفت نظر العالم له.

-  في الحديث عن الجوائز، نتذكر أن الشاعر محمود درويش استحق جائزة نوبل قبل رحيله بثلاثة عقود، ولكن ما يحيط من محددات حول الجائزة وغيرها من الجوائز، قد يحجبها. ومعنى ذلك أن بيننا من المبدعين/ات ما يستحقون هذه الجوائز.

-  لذلك فإن ننظر إلى أسماء القائمة القصيرة والقائمة الطويلة لهذه الجائزة وغيرها نظرة احترام وتقدير، تدفعنا لتحمل مسؤولياتنا الثقافية في تكريم هذه الكوكبة بجوائز تقديرية مماثلة في بلادنا العربية.

-  في ظل الاحتفاء بالروائي ربعي المدهون، من الواجب الأخلاقي والأدبي أن نلتفت إلى الجوانب الإبداعية، من خلال أعمال نقدية تركز على الأدب لا على السياسة فقط، وألا نكرر ما فعلناه ما المعلمة حنان الحروب، حين تحول الاحتفاء من احتفاء تربوي-إنساني وفلسطيني، إلى احتفاء بأنفسنا، وتغليب العامل الوطني على العامل الإبداعي الخاص.

ومن هذا المنطلق، فإن علينا إعادة تقييمنا لأنفسنا، إنما ننجح بإبداعنا الذاتي والذي لا يجب أن يصادر، ليكون خلفية يلتقط الساسة صورهم أمامها، دعاية وإعلاما رخيصا. لماذا؟ الجواب ببساطة، أنه في بلادنا العربية وفلسطين منها، لا يتم الاعتراف بالإبداع إلا بعد اعتراف العالم به، ولعلنا نتذكر كم من المبدعين والمبدعات من وجدوا الصدّ والمنع في بلادهم.

ونحن في ظل سعينا التحرري، نرى أن دولة المثقفين هذه بشرى لنا بإقامة دولة على الأرض-أرضنا كسائر الأمم والشعوب، وليس في هذا استعداء على أحد.

لكن في البلاد التي يحكمها ساسة غير متنورين، فإنهم يفضلون كل ما يعيق الإبداع والتفكير، لذلك فهم جاءوا بمن هم على مقاسهم، فوضعوا مناهج تعليم وإعلام ومؤسسات وفكر يطيل من عمر نظم الحكم التي تتبع أولئك الساة.

لا يتفق الأبداع  مع التخلف، وهو نقيضه. لذلك تناهض نظم الحكم من يناهضها فكريا، ومن يرفض بوعي وتشبث به، أن يعيد إنتاج التخلف والماضوية. في حين شاهدنا وشهدنا على التحالف الرخيص بين الساسة وممثلي المؤسسات التربوية والاقتصادية والثقافية.

المواهب بيننا نراها كل يوم، فهل سنشجعها فعلا أم سنظل نحاربها ونتهمها؟

يمكن النظر إلى النخبة السياسية وما استلزمت لإطالة عمرها من نخب ثقافية وتربوية وإعلامية مهترئة لا قاعا فكريا ولا تربويا لها، تماما مثل المؤسسات الاقتصادية التي همها تحقيق الحد الأعلى من الربح، دون الالتزام نحو المجتمع، سوى بما تمنّ علينا من مساعدات.

فلسطين الحرة والديمقراطية سترى النور حين يتم التغيير المنشود، وهو تغيير شامل، يؤكد لنا وللعالم أننا شعب يستحق دولة مستقلة على أرضه، وليس فقط دولة المثقفين.

ستكون دولتنا من هذا العالم وفيه، لأننا بشر حقيقيون، لنا الحق بالحياة الكريمة.

دولة نخبة الشعب، المتعلم والمثقف، الواعي على حقوقه ودوره، بما ينسجم مع كونه شعبا مناضلا، لا دولة نخبة الأقلية المنتفعة، التي تبحث لنفسها مكانا يضمن مصالحها الفردية.

لقد فعلها الفلسطينيون على مدار قرن من المعاناة، والنفي والاحتلال والاستلاب، من خلال البقاء المقاوم، والذي تم باختيار الأفراد والمجموع، كان للكلمة الراوية فعل عظيم، للتذكير والتأكيد على الرحلة في المكان وعليه وحوله، قل رحلة المصير.

الرواية الفائزة "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة"، رواية تؤكد على قدرة الأديب على تجاوز السائد من الفكر السياسي والحلول المتأثرة بمنطق القوة لا قوة المنطق. والتي تقدم مقترحات إنسانية للحلول الدائمة لا المؤقتة. وهي التي سبق أن كانت إحدى دلالات الفوز، وهو الانعتاق الإنساني للفلسطينيين، من خلال رؤية الأنسنة، والتي اقترب منها إسرائيليا الكاتب شلومو ساند.

وهي تذكرنا برواية "كافر سبت" للروائي عارف الحسيني التي وصلت إلى قائمة البوكر، والتي لها علاقة بالبحث الذكي ذكي لأسلوب مقاومة المستقبل باتجاه أسلوب آخر للعيش، للتعايش، للتكيّف، للبقاء؟

إن المهم هو إبداع الوجوه للإنسان الفلسطيني على هذه الأرض، من خلال ردّ الأمور لأصولها في الحركة الوطنية الفلسطينية حول مشروع دولة فلسطين العلمانية.

لقد أضفت "كافر سبت" شيئا عن مستقبل الصراع، حيث تصبح المقاومة تفكيرا يتجاوز المطلق والعادي باتجاه استثمار الواقع، حيث أن الفلسطيني أمر واقع كما الإسرائيلي كذلك. لقد ترك عاف الحسيني ذلك للقارئ كي يفكّر به بشكل حرّ. وهنا في "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة" اقتراح أدبي آخر، يدفعنا إلى قراءة الرواية من جديد، والتفكير الحرّ أيضا.

وسيكون لهاتين الروايتين، ما بعدهما من التشجيع الفكري أدبيا للبحث والكتابة، كما سيكون لهما تأثير سياسي أيضا في التفكير بمستقبل الصراع-العيش هنا.

لعل الأدب بما فيه من حرية وسعة صدر وفكر يكون منطلقا لساسة جدد في هذا العالم وعندنا، للأخذ بأيدي الشعوب نحو الانعتاق من كل ما يعيق الحياة الحرة والكريمة للبشر ولنا.

اخر الأخبار