حين يغيب الحوار .. تسقط هيبة العقل

تابعنا على:   11:16 2016-05-13

فاروق جويدة

كل الأزمات قد تهون ويمكن التغلب عليها إلا ازمة العقول لأنها تعكس خللا حقيقيا فى مسيرة الشعوب .. وازمة العقول لا تحدث بين يوم وليلة انها ليست ماسورة مجارى تنفجر او عمارة تتهاوى او حريق يدمر حيا من الأحياء انها تراكمات من التخلف والجهل وغياب الوعى وهى لا تحدث بين ليلة وضحاها انها تراكمات من عصور القهر والإستبداد وامتهان الكرامة والحريات, وللأسف الشديد ان ازمات العقول تطفح فى اكثر من جانب واكثر من صورة انها قد تبدأ بالفكر المضطرب وتنتهى بالسلوك المنحرف اى انها تجمع الفكر والسلوك معا وحين تختل موازين العقل تطفح على السطح امراض كثيرة اقلها خطرا عشوائية القرار وانهيار منظومة الفكر واختلال مقاييس الأشياء ..

نحن نتحدث عن ظواهر اجتاحت حياتنا سنوات طويلة وللأسف الشديد اننا لم نفكر فى اسبابها ولم نعرف طريقنا للخلاص منها بل اننا فى احيان كثيرة كنا نتردد فى طرح الكثير من القضايا اما خوفا من السلطة او خوفا من المجتمع او خوفا على انفسنا من اتهامات قد تلحق بنا فنؤثر السلامة ونتعامل مع القبح كأنه حقيقة مسلمة فى حياتنا.

من اكثر الظواهر التى اضرت كثيرا بالعقل المصرى لغة الحوار ان الحوار ليس فقط ما يجرى من حوارات ساذجة على شاشات التلفزيون او ما نقرأ فى الكثير من الصحف التى تتعامل مع الإنسان بإستخفاف شديد وليست ايضا قرارات صادمة يطلقها مسئول على غير علم او مشورة ..

ان لغة الحوار تشمل اسلوب حياتنا فى العمل والتفكير والرفض والقبول وهى تبدأ من علاقة ابناء الأسرة الواحدة ببعضهم البعض وتنتهى عند وصاية فصيل دينى او سياسى او فكرى يريد ان يفرض وصايته على المجتمع كله .. كانت لغة الحوار اكثر ازمات العقل المصرى تأثيرا ومنذ سنين بعيدة غاب الحوار عنا واكتفينا بأن نجلس كلنا فى مقاعد المستمعين.

ان سلطة القرار هى الأعلى صوتا .. وسلطة الظروف هى التى جعلتنا قطيعا امام الوظيفة والمنصب واحتياجات ومطالب الحياة اننا لا نرفض لأن الرفض له ثمن ولأن من تكون لديه سلطة الرفض يجب ان يكون لديه استعداد لأن يدفع الثمن وقد اعتدنا طوال حياتنا ان نأخذ حتى ولو كان ذلك على حساب الكرامة والكبرياء .. ازمنة طويلة اعتدنا فيها ان نصرخ بيننا وبين انفسنا وان نخاف زوار الفجر وزوار الظهر وما بينهما زوار لكل الأوقات .. لم يتوافر لنا يوما ذلك المناخ الذى يشجع على الحوار حتى وصلت المحنة الى الأسرة والزوج والأبناء, ان الصمت هو الحق المشروع لكل هؤلاء ولاشئ غيره ..

> حين انتفض المصريون فى 25 يناير ضد نظام ظالم كانت خطيئته الأكبر انه جرد مصر كلها من اهم واخطر مصادر قوتها وهى عقل الأمة, سطت مجموعة من الأشخاص على كل مؤسسات الدولة من بقى عشرين او ثلاثين عاما وربما اكثر لم يتغير فيها فكر ولا اسلوب حياة ولا رغبة فى صنع اى شئ جديد .. الشئ المؤكد ان عقل الأمة شاخ وكانت ثورة يناير تعبيرا عن هذا الرفض وللأسف الشديد ان عصابة من عصابات العهد البائد سطت على الثورة حتى تخلص المصريون منها فى 30 يونيه وان بقيت الآثار السيئة التى خلفتها عهود سابقة غاب فيها الحوار وتجمد الفكر وتشوه سلوك الناس ..

كان من الضرورى ان تظهر آثار السنوات العجاف بعد ثورة يناير وكما ظهرت فيها حدائق خضراء وشباب واعد ظهرت فيها ايضا مستنقعات وعقول جرداء وطفح الواقع القديم بكل سوءاته على وجه المجتمع في السلوكيات والأزمات والكوارث .. حين نستعرض اهم واخطر الأزمات التى عبرت على مصر فى الفترة الأخيرة سوف نكتشف ان اهمها واخطرها كان من الثمار المرة للغة الحوار التى سيطرت على الشارع المصرى

> كانت لغة الحوار السبب الرئيسى فى معظم الإنقسامات التى ظهرت فى حياة المصريين وكانت شيئا غريبا على الإنسان المصرى وهنا كانت الإنقسامات الدينية بين الوسطية والتطرف بين من تحدثوا بأسم الله ومن حاولوا فرض وصايتهم بأسم الدين ثم كانت الإنقسامات بين ابناء النخبة الواحدة حتى وصلنا الى درجة التشويه والتخوين والإدانة, وتحاول وسط هذه الإنقسامات ان تبحث عن فكر واع او حوار خلاق او رغبة حقيقية فى التواصل فلا تجد امامك غير عقول مهلهلة فقدت الوعى والبصيرة .. بعد ان كانت مصر نسيجا واحدا متكاملا وصلت بنا الإنقسامات الى ابناء الأسرة الواحدة ثم انتقلت الى ابناء الجامعة الواحدة ثم الى ابناء المهنة الواحدة هؤلاء اطباء وهؤلاء صحفيون وهؤلاء مهندسون وهؤلاء رجال اعمال وهؤلاء إعلاميون ومنظرون, وفى كل هذا غابت لغة الحوار حتى عجزت فئات النخبة بكل رصيدها الفكرى والثقافى ان تنجو من هذه المحنة وتحول الشارع المصرى الى حلبة بين قوى غاب فكرها السياسى ووعيها الحقيقى وتخلت عن هموم المجتمع وقضاياه امام مصالحها الخاصة .. هل يعقل ان كل هذه الفئات المميزة والرشيدة عجزت ان تتواصل مع بعضها بالحوار وتصل الى درجة الصدام التى تهدد امن الوطن واستقراره .. هل يعقل ان هذه المهن التى تمثل اهم القوى فى مسيرة المجتمع قد فقدت القدرة على ان تتحكم فى سلوكياتها لتتحول الى قوى ضغط وارباك وفوضى للمجتمع كله .. لماذا لم تعد لدينا القدرة ان نسمع بعضنا البعض وان نواجه المشاكل والأزمات بالفكر والمنطق والحوار كل هذا لأن هيبة العقل سقطت وغابت معها لغة الحوار

> من اشهر واسوأ معارك الحوار التى عشناها فى الفترة الأخيرة ان يخرج وزيران من الحكومة بسبب كلمة وليس اكثر .. وان تدور معركة رهيبة بين المثقفين حول اعمال يقال انها ابداع دخلت بأصحابها السجون.. وبدلا من ان يناقش المهتمون قضية الإبداع الحقيقى والإبداع الوهمى دخلوا الى منطقة اخرى هى قضية الحريات وسجن المبدعين وكان الأولى ان يكون السؤال: هل نحن امام ابداع ام امام اشياء اخرى وهل الحرية تعنى فتح الأبواب بلا حدود ام ان هناك ضوابط اخلاقية وابداعية واجتماعية وثقافية يجب ان نضعها فى الإعتبار؟! .. كلمة اخرجت وزيرا من السلطة وكلمة ادخلت كاتبا السجن كل هذا حدث فى غياب الحوار الجاد الذى يضع اصول الأشياء وقواعد الفكر والسلوك بين البشر

> اخطأت الحكومة حين لم تحسب حسابا لقضية تيران وصنافير ولم تمهد بالحوار طريقا تسلكه فى هذه المحنة حتى تحولت القضية الى سجال بين طوائف المجتمع المنقسمة اساسا على نفسها .. لقد فتحت هذه القضية ابوابا كثيرة للخلاف بلا مبرر وكان ينبغى ان تطرح فى صورة حوارات وتساؤلات ووثائق ولا نصدم بها الشارع مرة واحدة خاصة ان ملايين الشباب لم يسمعوا عن هذه الحكاية منذ عشرات السنين, كان آخر عهدنا بهذه القضية يوم ان قرر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر منع السفن الإسرائيلية من العبور فى مضيق تيران هل بعد كل هذا العمر نصدم الشارع بكل هذه الأحداث, ان السبب فى ذلك كله اننا لا نؤمن بالحوار وان نسمع الصوت الآخر والرأى الآخر وهذا من اخطر جوانب القصور التى اصابت الشخصية المصرية فى السنوات العجاف حين فسد التعليم وفسدت الثقافة وتسطح الإعلام .

> ان الشعب المصرى بكل طوائفه وفصائله واتجاهاته لم يقدر حتى الأن حالة الحرب التى تعيشها الدولة مع الإرهاب ليس فى سيناء وحدها ولكن على كل ربوع الوطن, هل يعقل ان تدور كل هذه المعارك على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف وفى الشوارع وفى النقابات المهنية جميعها تقريبا بينما هناك جيش يحارب وشهداء يسقطون .. هل يعقل ان يدور السجال بين فئات مسئولة وصاحبة دور ورسالة بينما شهداء الشرطة يواجهون الإرهاب بشراسة فى كل ارجاء مصر .. هناك قضايا كثيرة ينقصها الحوار وهناك قضايا اكثر ليس هذا وقتها على الإطلاق ولكن الإنسان يتشكك احيانا ان هناك ايادى خفية مدسوسة تحاول إفساد اللحظة علينا .. هناك قضايا كثيرة اشعلت الشارع رغم انها كان من الممكن ان تعالج دون ان يسمع عنها احد وهنا تأتى مسئولية واهمية الحوار فما اسهل إشعال الحرائق خاصة ان هناك اطرافا كثيرة تتربص بنا ولا تريد لهذا الوطن ان ينهض مرة أخرى.

> ان الشئ الغريب المؤسف ان الإعلام المصرى فشل فى كل معاركه الداخلية والخارجية نحن امام حوار مريض يقدمه الإعلام فى الداخل وامام غياب كامل عن التأثير والدور والمسئولية فى الخارج والسبب فى ذلك هو غياب لغة الحوار .. انها غائبة امام مهنية فاشلة وقدرات محدودة وفرص ضائعة .. وهى غائبة امام إعلام خارجى يهاجم مصر بضراوة وكان ينبغى ان يكون إعلام مصر ندا وقادرا على الرد وكشف الحقائق ولكن للأسف الشديد ان إعلامنا يمارس دورا غريبا فى زيادة الإنقسامات وإشعال الفتن وإذا اعترض احد على ذلك وجدت من يصيح اين حرية الإعلام .. هل حرية الإعلام هى هذه المعارك الليلية الصاخبة هل حرية الإعلام هى تقسيم الدولة الى فئات وفصائل هل حرية الإعلام هى هذه البرامج التافهة والساقطة ما بين السطحية والفوضى والشذوذ.

كان الإعلام المصرى من الأسباب الرئيسية لتشويه العقل المصرى وإهدار لغة الحوار وللأسف الشديد ان الدولة بكل مؤسساتها عجزت عن مواجهة هذه الكارثة امام إجراءات مترددة وحالة ضعف شديدة يعيشها إعلام الدولة وامام ايادى كثيرة تعبث فى الظلام ولاتجد من يقطعها .. هناك قوى خفية لها حسابات مشبوهة تلعب فى هذا البلد ولدينا اجهزة تدرك مسئوليتها ودورها الوطنى فى حماية مصر ولكن من حين لآخر يشب امامنا حريق وتحدث كارثة وندرك ان هناك من يتآمر علينا واننا احيانا نقدم العون لمن يفسدون حياتنا .

> غياب لغة الحوار مرض مصرى قديم هذه حقيقة مؤكدة فقد مرت علينا ازمنة ونسينا فيها طعم الكلام والرفض والإقناع واستخدام العقل بصورة إيجابية وحين طفحت علينا امراضنا المزمنة بعد 25 يناير كان ولابد ان نتصدى وان نحاول الخروج من هذه المحنة وان نعالج هذا العقل العبقرى الذى كان يوما اهم واغنى واغلى ثروات هذا الوطن, ان عودة الحوار الجاد المترفع المؤثر والفعال هى اول ابواب الخروج من حالة الفوضى التى يشهدها الأن العقل المصرى الذى خرج تائها فى الشوارع يسأل الناس عن زمن الحكماء والعقلاء من رموز هذا الوطن .. أين عقلاؤنا يا سادة؟! .

..ويبقى الشعر

لا ‎تَسألوني الحُلمَ

أفلسَ بائعُ الأحلامْ مَاذا أبيعُ لكم؟

‎وصوتِي ضاعَ وأخْتنقَ الكلامْ

‎ما زلتُ أصرخُ في الشوارِعِ

أوهمُ الأمواتَ أنَّي لمْ أمُتْ كالناسِ

‎لم أصبحْ وراءَ الصمتِ شيئاً من حُطامْ

‎ مَازلتُ كالمَجنونِ

‎أحملُ بعضَ أحلامِي وأمضِي في الزحَامْ

********

لا تسألونِي الحُلمَ

‎أفلسَ بائعُ الأحلامْ

‎فالأرضُ خاوية

‎وكلُّ حدائِق الأحْلامِ يأكلهَا البَوَارْ

‎مَاذا أبيعُ لكم.. ؟

‎وكلُّ سنابلِ الأحلام في عيني دمارْ

‎ماذا أبيعُ لكُم ؟

وأيامِي انتظارُ .. في انتظارْ

انَّي سئمتُ زمانكُمْ

وسَئمتُ سُوقَ البيعِ

والحلمَ المُزيفَ .. والرقِيقْ

وسئمتُ أنْ أبقَى أمَامَ النَّاسِ دَجالاً

أبيعُ الوهمَ في زمنٍ غَريقْ

كلُّ الذي قلناهُ كانَ ضلالةً

كـَذبًا وزيفًا .. وادعَاءْ

مَا زلتُ أسألُ هلْ تُرَى

حَفروا القبورَ ليدفنُوا الموتَى .. أمِ الأحيَاءْ؟

********

لا تَسألُونِي الحُلمَ

أفلسَ بائِعُ الأحلامْ

ما عَادتِ الكلماتُ تُجدِي

بَارتِ الكَلمَاتُ .. وانفضَّ الَمزَادْ

النار تأكلنا فهل تُجدِي

حكايَا الوهْم.. والدنيَا رمادْ؟

أأقولُ صبرًا؟

 

ليسَ في الدُنيَا بَلاءٌ غيرَ صبرِ الأبْرياءْ

أأقولُ حُزنًا ؟

ليسَ في الدُّنيَا كَحزنِ الأشْقياءْ

أأقولُ مَهْلاً ؟

ضَاعَتِ الأيَامُ مِنْ يَدنَا هَبَاءْ

********

لا تسْألونِى الحُلمَ

قومُوا مِنْ مَقابركُم.. وثُورُوا

أحرقـُوا الأكْفانَ في وَجْهِ الطغَاهْ

كُونُوا حَريقًا .. أو دَمَارَا

لا تجعلُوا قبرِي ككلَّ النَّاسِ

صَمتًا .. أو دُموعَا

مازلتُ أرفضُ ان أمُوتَ اليومَ حيّا

كُلنا مَوتَى..

وليسَ الآنَ للمَوتى حَياهْ

ولتحفروا قبري عميقا

وادفنونِي وَاقِفًا

حَتَّى أظلَّ أصِيحُ بَيْنَ النَّاسِ

لاَ تَحنُوا الجبَاهْ

مُوتُوا وقُوفَا

لا تمُوتوا تحتَ أقدَامِ الطغاةْ

قصيدة «بائع الأحلام» سنة 1989

عن الاهرام

اخر الأخبار