غنوشي الأردن!

تابعنا على:   12:37 2016-05-11

محمد ابو رمان

من الضروري أن يقرأ إسلاميو الأردن التطورات الكبيرة التي تمرّ بها تجربة شقيقتهم "حركة النهضة" الإسلامية في تونس، وآخرها إعلان زعيم الحركة راشد الغنوشي، التحول بصورة كاملة إلى حزب سياسي وطني، بمرجعية إسلامية، وفك الاشتباك بين الشأن السياسي والدعوي.
بالطبع، هذه ليست التجربة الأولى لدى الإسلاميين على صعيد فك الاشتباك بين الدعوي والسياسي؛ فالتجربة المغربية سبّاقة، إذ إنّ حزب العدالة والتنمية هناك متخصص بالشأن السياسي فقط، فيما حركة التوحيد والإصلاح تتولى الشؤون الدينية والدعوية. ويمنع في لوائح الحزب، منعاً باتاً، الخلط بين الجانبين، وليس مسموحاً لشيوخ الدين والوعاظ والخطباء التسجيل في الحزب، فللحزب كوادر سياسية متخصصة.
لكن قيمة التجربة التونسية عملياً، ودلالاتها فكرياً، أكبر بكثير، لأنّها تجاوزت موضوع فك الاشتباك بين الدعوي والسياسي، وترسيم المعالم الفاصلة بين أن تكون داعية وخطيباً في المجتمع المدني وأن تكون عضواً سياسياً في حزب له برنامج وطني واضح، إلى التصالح مع الدولة الحديثة والانخراط في الخصوصيات الوطنية بصورة كاملة.
يشير المفكّر التونسي المعروف صلاح الدين الجورشي، إلى مصالحة متأخرة أجرتها "النهضة" التونسية مع البورقيبية التونسية، ومع نهج بورقيبة نفسه، بعد وفاته بأعوام طويلة، بالرغم من الخصومة التاريخية والأيديولوجية بين الطرفين؛ إذ قبلت "النهضة" بقانون الأحوال الشخصية، وتصالحت مع الأحزاب العلمانية، ودخلت في شراكات عميقة مع البورقيبيين، في حزب "نداء تونس"!
مشكلة الإسلاميين في الأردن، وهم يمرّون في مأزق تاريخي غير مسبوق -على صعيد العلاقة مع الدولة، أو حتى إدارة خلافاتهم الداخلية، التي أصبحت خارجية بعد الانشقاقات الكبيرة- أنّهم ما يزالون ينظرون إلى التجربة المصرية ويعيشون حالة الإنكار. وهي تجربة فشلت لأسباب ذاتية وأخرى سياسية مرتبطة بالانقلاب العسكري. فيما يشيحون عن التجربة الناجحة والبراغماتية الذكية التي قادتها "النهضة" التونسية، فتجنبت حقول الألغام بمهارة، بدلاً من الوقوع فيها بمهارة كما فعل إسلاميو مصر، والأردنيون على خطاهم!
القيادات الإخوانية المحافظة التي قادت الجماعة إلى سلسلة الأخطاء، هي نفسها التي وقفت في البداية موقفاً رافضاً للقبول بالديمقراطية، ثم لتأسيس حزب سياسي (جبهة العمل الإسلامي)، ولاحقاً هاجمت رجب طيب أردوغان ووصفته بعميل الموساد، والعلماني، وكادت أن تكفّره، ثم لاحقاً أصبح رمزها الكبير. مثل هذه القيادات التي لا تمتلك حسّاً سياسياً، لا تمتلك مقومات العمل السياسي. لذلك، من الضروري الفصل بين الدعوي والديني والسياسي.
اليوم، يبدو التحدي الذي تتعرّض له الجماعة فرصة مواتية للانطلاق نحو مرحلة متقدمة، وتغيير قواعد اللعبة، عبر اعتبار جماعة الإخوان مدرسة روحية وفكرية وأخلاقية، تتأسس على أفكارها جمعيات جديدة في المجتمع المدني، معنية بالشأن الدعوي والتربوي وغيرها، فيما يُترك موضوع العمل السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي بالكلية، ليتحرر تماماً من هيمنة الجماعة وحساباتها على نشاطه السياسي، ويعدّ كوادر سياسية مؤهلة للعمل السياسي، تدرك أبعاده وتمايزه عن العمل الدعوي، بخاصة ما يتعلق بالسريّة والعلنية!
صحيح أنّ هناك مخاوف وهواجس من الانتخابات المقبلة لدى الإسلاميين، كما حدث في العام 2007، وهي هواجس مشروعة. لكن -في المقابل- فإنّ تقدّم الحزب إلى الأمام في خطابه، وإعلانه الفصل بين الدعوي والسياسي، وانخراطه أكثر في الإصلاح الداخلي، على كل الأحوال، سينقله إلى مربعات جديدة، ويتجاوز أزمته الداخلية، ويعيد التصالح مع القوى السياسية المختلفة.
للأسف، عدد كبير من القيادات المرشّحة لأن تقود الجماعة مثلما فعل الغنوشي إلى الطريق المطلوبة، خرجت من رحم الجماعة. لكن الشعبية بقيت للقيادات الحالية، التي ما يزال فيها من يملك إدراكاً سياسياً يحتاج منه إلى جرأة أكبر في طرح جديد.

عن الغد الاردنية

اخر الأخبار