مصـائـر وطـن لا ينســى

تابعنا على:   22:24 2016-05-10

أ. سلوى ساق الله

بعد قراءتي رواية مصائر "كونشرتو الهولوكست والنكبة" للروائي الفلسطيني المعروف "ربعي المدهون" لن أتحدث عنها كما تحدثت الصحف والمواقع الالكترونية حيث قام المؤلف بتركيب الرواية وتوليفها على شكل قالب الكونشرتو الموسيقي ليعزف النكبة والحلم بالعودة إلى البلاد بأربع حركات وتموجات موسيقية منفردة ومتكاملة.

سأكتفي بوصف انطباعي وشعوري خلال قراءتي للرواية التي استحقت جائرة البوكر لهذا العام (2016). حقاً؛ كفلسطينية أشعر بالفخر كون أن إحدى الروايات التي حازت على جائزة البوكر هي فلسطينية بامتياز أيضاً. أضاءت هذه القطعة الإبداعية سجل التميز الفلسطيني بإنجاز أدبي رفيع.

الرواية في حقيقتها رحلة تاريخية وجغرافية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورحلة مع حلم يراود ربوع الروح العطشى للعودة إلى أرض الوطن. إنها أعظم رحلة ساحرة حملتني إلى أماكن ومدن زرتها مسبقاً وأخرى زرتها من خلال أوراق الرواية وتنزهت بين كلماتها. كل من يقرأ الرواية لو لم يزر فلسطين لتمنى أن يزورها.

الرواية رحلة في الذاكرة إلى عكا التي تكتحل كل يوم بزرقة البحر، الفتيّة التي هزمت نابليون بسورها وقلعتها، وسفنها التي حملت الفلسطينيين وتمزقت ألما بين الرغبة في حمايتهم، والشعور بالذنب لمشاركتها بغير قصد في حملهم الى اللجوء بدلا من إصرار التمسك بالأرض!

قبل عدة سنوات؛ زرت حيفا، ويافا وتل أبيب والقدس أيضاً. أعادت الرواية الى ذهني ذكريات زيارتي مرتين إلى القدس والقدس العتيقة. يستحضرني صور بيوتها وأسوارها وأبوابها وأسواقها وكعكها وسمسمها، وكيف يبتلعها التهويد يوماً بعد يوم تحت ظلال الصمت العربي.

أفاقت الرواية في داخلي وجه يافا الطفولي، حيث شاطئ العجمي وجمال الحقبة العثمانية وأجمل الأثار المتربعة بالقرب، كمسجد حسن بيك وميدان الشهداء وبرج الساعة في يافا القديمة التي لازالت تحافظ على عروبتها.

إن بيت جدي هناك في حي المنشية قلب المدينة النابض حيث قُتل وعُذب وهُجر أهل يافا، واستلموا الخيام من الصليب الأحمر في طريقهم إلى اللجوء. جدي وغيره من الناس أداروا ظهورهم لها مودعين خوفاً وهرباً من بطش الموت. حملوا معهم مفتاح البيت، لأنهم نشأوا في يافا العروس ولم يعرفوا غيرها، وتنفسوا هوائها ولم يظلهم غير سمائها، كانوا على ثقة أن ما حدث هو كابوس مؤقت وأن عودتهم إلى ديارهم هي حقيقة أكيدة ستكون في زمن ليس ببعيد.

تذكرت جدي – رحمه الله – حينما كان يحدثنا عن يافا عروس فلسطين الجميلة وقد ترقرق الدمع في عيناه ألماً واحتبست الكلمات في حلقه كأنها عالقة على أحد الحواجز الإسرائيلية القابعة بين المدن الفلسطينية. اغتصبوا بيته وأرضه في يافا القديمة. لم يحمل جدي معه إلا تراب الهجرة وعذاب ذكراها. طرد جدي - وغيره الكثيرين - من المدينة قسراً وتحول إلى لاجئ أو ضيف على المجتمعات الأخرى مجبراً على تناول ظروف تلك المجتمعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

اجتاحتني مشاعر الحنين إلى كل شبر من أرض فلسطين المغتصبة، إلى زعترها وزيتونها وبرتقالها ولوزها، إلى جوها وبرها وبحرها. على صفحات الرواية عدت إلى رائحة الأرض وطينها وترابها وتصميم البيوت وطوبها ومعمارها.

وثقت الرواية حق العودة وكيف أنه مرتبط بروح كل فلسطيني في المهجر، وأنه لن يسقط هذا الحق بالتقادم، و أنه لن يفقده طالما أنه حي يتنفس. بل سيورث هذا الحق لأبنائه. سيبقى هذا الحق ميراثاً ونبراساً مهما قست الظروف وتبدلت الأيام، وإن وقف وحيداً في ميدان النضال، أو أصبح النضال في رمال متحركة، وسيبقى الفلسطيني يتنفس حلم العودة.

وبعيداً عن كل المواثيق العالمية لحقوق الإنسان؛ حلم العودة حق تكفله الأرض وترابها المعطر بدماء شهداء مذابحها وسواد نكبتها، حق تكفله الأرض وإن تغير سكانها ولهجتهم وديانتهم ولغتهم، وتكفله الأرواح التي عاندت وبقيت وتحملت عذاب أن تكون هوية الروح فلسطينية بينما يحمل في جيبه هوية برائحة المحتل.

رغم اغتصاب الحقوق ومصادرة الأملاك والملكيات لتحل عليها لعنة دخيلة لا تعرفها الأرض والهوية، لن يسقط حق العودة بالتقادم مهما تغيرت ملامح أو أسماء بعض الأماكن والمدن والطرق والموانئ والمحطات أو ابتلعها التهويد والاستيطان الإسرائيلي. حلم العودة محطة راسخة ترسو فيها روح وعقل ووجدان كل حر غيور على أرضه، وسيبقى راسخاً في كل فلسطيني يعيش في المهجر وروحه في المنفى. ستبقى الأرض فلسطينية بامتياز، والوطن والهوية ليسوا للبيع أو التأجير.

أثّرت في داخلي " مصائر". بُورك القلم الفلسطيني. إننا في انتظار المزيد من الابداع الأدبي الفلسطيني الذي يثري المكتبة الأدبية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص بهموم ومشاكل القضية الفلسطينية والشعب المنكوب والمهجر، ويوثق بأسلوب روائي الحروب على غزة وسنوات الحصار العصيب والمشاكل الاقتصادية والسياسية والانقسام الفلسطيني والذي باعتقادي هو مادة خام وفيرة لنسيج أدبي جديد سيكون متألقاً.

اخر الأخبار