أردوغان وأوغلوا وانفراط العَقد بينهما :::

تابعنا على:   10:50 2016-05-09

د. عز الدين حسين أبو صفية

لم تكن السياسة التركية خارجية كانت أم داخلية خافية على أحد في ظل ترأس طيب أردوغان وحزبه زمام الأمور في تركيا، حيث بدا سلوكه مشابهاً للسلوك العثماني فترة حكم السلاطين الذين ضرب سلوكهم الإمبراطورية العثمانية (ما يسمى دولة الخلافة) ضربها في مقتل أدى إلى هزيمتها أمام دول الاستعمار الرئيسية في ذاك الوقت وهي (فرنسا وبريطانيا) وقد أدى ذلك انهيار وتقسيم أراضي الإمبراطورية كغنائم توزع على المشاركين في الانتصار على الإمبراطورية العثمانية فكان لكل جهة حصتها باستثناء العرب الذين شاركوا في حرب هزيمة الإمبراطورية وقد خدعتهم الدول الاستعمارية ولم تعطهم أيّ من التركة التركية وهي في الأصل بلادهم وتم اقتسامها فيما بين كل من دولتي الاستعمار بعد أن تم تجزئة الأراضي العربية إلى دول ودويلات حسب اتفاقية (سايكس بيكو) عام 1916 والتي بموجبها أصبح مجمل أراضي الدول العربية بين فكي الاستعمار وعلى مدى المئة عام الماضية والدول العربية سعت للحصول على استقلالها إلا أنها ظلت معظمها تدور في فلك ذيل دول الاستعمار باستثناء بعضها مما دفع بالغرب وأمريكا إلى إعادة الكَرة لتقسيم المقسم من الوطن العربي من خلال وسائل استعمارية حديثة تختلف في ظاهرها عن أسلوب الاستعمار التقليدي الذي يرتكز على الجيوش لاحتلال الدول، فأصبح الاستعمار الحديث يأخذ شكل الاستعمار الاقتصادي والمالي والفكري إلى أن وصل الحال العربي لما نراه اليوم من خلال الوسائل الشيطانية الأمريكية والغربية تقودها الصهيونية العالمية تمثلت في إقامة دولة إسرائيل كخنجر في خاصرة الوطن العربي لتظل فزاعة له وتشكل خشبة وثوب لضرب الخارجين عن بيت الطاعة الأمريكي والأوروبي، أم باستحداث وسائل أخرى مثل ( الفوضى الخلاقة والربيع العربي) وهي مسميات ناعمة الملمس نرى نتائجها في الأراضي العربية دونما أيّ استثناء وأصبح بسببها الوطن العربي كالطائر الذبيح ومكسور الجناح.

ولم تكتف بهذا القدر بل عمدت إلى ضرب ما تبقى من سند للوطن العربي وهو عموده الفقري (الإسلام) فاخترعت تنظيمات الإسلام السياسي ودعمت التيارات الإسلامية المتطرفة التي جذورها كل من الحركة الوهابية وحركة الإخوان المسلمين وأنتجت القاعدة وداعش والنصرة وغيرها من الحركات ذات المسميات الإسلامية وهي من الإسلام براء، وقد نجحت تلك الدول في تشويه صورة الإسلام من خلال ممارسة تلك الحركات صنوف الإجرام وتمادت في سلوكها الإجرامي وتعدت الحدود وقامت بتجذير الصراع والحروب الداخلية في معظم الدول العربية وقد لاقت الدعم المالي والعسكري بشكل غير محدود من (إسرائيل والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول العربية) التي لم تفق إلا متأخرة بأن الإرهاب سيضرب أراضيها وأن التشتيت والتمزيق سينال منها ما نال غيرها من الدول العربية.

وهنا لا بد أن نؤكد بعد أن اتضحت الصورة بأن كل الوطن العربي مستهدف بتلك الأدوات وأدوات أخرى وهي:

1-      إيران: الدولة الإسلامية الشيعية التي أُنهي الصراع معها من قبل الدول (5+1) وأنهت أزمة الملف النووي الإيراني لصالح رفع الحصار عن إيران وفك الحجوزات عن ملياراتها من الدولارات في البنوك الأوروبية والأمريكية. ولم يكن ذلك حباً في إيران وإنما لإبقاء برميل البارود جاهزاً للانفجار وقت الحاجة وفي المستقبل والمتمثل في (الصراع الشيعي السني) وتعمل أمريكا ودول أوروبا على تأجيج هذا الصراع لتصل به إلى حد التصادم ساعة الصفر التي لم تعلن عنها وهي الوحيدة التي تعلم وقتها.

2-      دولة تركيا: والتي بوجود أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) على رأس الهرم السياسي وهو من يدير دفة الحكم فيها من منطلقات واعتبارات يستخدمها ليس لمصلحة الإسلام والمسلمين أو حتى العرب وإنما لتحقيق أهدافه وأحلامه القديمة والحديثة وتتمثل في:

أ‌-       الاستمرار في تأكيداته بأن تركيا وإن كانت تدار من قبل حزب إسلامي إلا أنها لازالت تتبع سياسة علمانية وعلاقات مميزة مع الغرب وحلف الناتو وإسرائيل.

ب‌-     وتسعى تركيا من خلال هذا أن تلق الدعم من حلف الناتو والعرب وأمريكا وإسرائيل لتحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية والعسكرية في تمددها تجاه الدول العربية التي لا تضمر لها خيراً رغم نعومة أظافرها التي بدأت تنشبها في جسد الوطن العربي والمتمثلة في التعاون غير منقطع النظير مع كل من إسرائيل وقطر وحركة حماس لتكريس الانقسام وإقامة إمارة إسلامية في القطاع بهدف إجهاض المشروع الوطني الفلسطيني ويتمثل ذلك في تثبيت الانقسام ودعمه بوسائل مختلفة سياسية واقتصادية وتنفيذ مشاريع خبيثة غطاؤها رفع الحصار عن قطاع غزة وتمثل ذلك في تكالب تركيا وقطر لإنشاء ميناء كمنفذ بحري للفلسطينيين والتجارة من وإلى القطاع، وكذلك تسخير أدوات فلسطينية أخرى لطرح أفكار حول بناء مطاراً بمسمى جديد وأماكن جديدة وهذا لتكريس الانقسام وإنهاء متطلبات واحتياجات إقامة الدولة ( الإمارة الإسلامية)، وبذلك تكون تركيا وقطر الداعمتان الأكبر لتعزيز الانقسام وضرب كل الجهود المصرية التاريخية في مساندتها للقضية الفلسطينية ودعم الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمان.

ت‌-     كما تسعى تركيا لتحقيق مطامعها التوسعية في كل من العراق وخاصة في منطقة الموصل التي لازالت تعتبر أن ضمها إلى العراق ضمن اتفاقيتي سايكس بيكو 1916 ومعاهدة لوزان 1923 كان ظلماً لها وهي المنطقة الغنية بالنفط ولإرضائها وإسكاتها سمح بتزويدها ببترول الموصل إلى مدى الحياة، ولم يتم التزام دول الاستعمار بذلك وانتهى فور انتهاء الاستعمار للعراق.

ث‌-     وكذلك تطمع تركيا بالتوسع في الأراضي السورية على غرار ما تم في لواء الاسكندرونة الذي انتزع من الأراضي السورية وتم ضمه إليها وتريد تكرار السيناريو في الشمال السوري لانتزاعه وضمه إليها بوسائل قد تختلف عن تلك التي اتبعت في لواء الاسكندرونة وذلك من خلال الدعم العسكري الكبير لداعش والنصرة والمعارضة السورية ومطالبتها للمجتمع الدولي بإعلان الشمال السوري منطقة محظورة على الطيران السوري لتأمين الحماية لتلك القوى تمهيداً لإجراء استفتاء الانسلاخ عن الدولة الأم ( الجمهورية السورية) ولكن أدت السياسة التركية الرعنة إلى عدم نجاح تركيا في مخططاتها لأسباب:

الأول: الدعم الأمريكي والروسي لأكراد العراق عسكرياً ومالياً وسياسياً .

والثاني: التحرك الروسي العسكري لصالح الجيش السوري وضرب معاقل المعارضة دونما استثناء غير قواعد اللعبة والصراع في سوريا ورجح الكفة لصالح النظام.

الثالث: انكشاف النوايا التركية أدى إلى تراخى بعض الدول الغربية وأمريكا في مساندة تركيا في مواقفها السياسية.

إذاً ما هو الوضع السياسي التركي على الصعيدين الداخلي والخارجي والذي أجج الخلاف والصراع بين قطبي السياسة التركية أوغلوا وأردوغان؟:

1-      لم يعد الاستقرار الأمني سيد الموقف في تركيا فازدادت الساحة التركية الداخلية للتعرض للعديد من الهجمات الإرهابية كما زاد نشاط الحركات الكردية التركية ضد الحزب التركي والحكومة التركية وازدادت نبرة مطالبهم للحصول على حقوقهم وأصبحت تلاقى آذان صاغية حتى من الدول الغربية وأمريكا الحلفاء للنظام التركي.

2-      ازدياد التوتر في علاقات تركيا بدول الجوار كالعراق بعد دخول قواتها إلى منطقة الموصل تحت ذريعة محاربة داعش الذي تربطها به علاقة قوية وتقدم الدعم المالي والعسكري له وتسهل مرور المقاتلين من كافة الدول عبر أراضيها وحدودها مع سوريا.

كما ازداد التوتر مع روسيا مما أثر بشكل سلبي وقوي على الاقتصاد التركي وعلى السياحة من وإلى تركيا. وذلك بعد حادثة إسقاط تركيا للطائرة العسكرية الروسية، سوء العلاقة التركية مع كثير من الدول العربية الأخرى بسبب السياسة الخارجية الرعنة لطيب أروغان وخاصة مع مصر بعد أن جاءت تصرفاته لا تليق بدولة كما تركيا التي فقدت مصداقيتها ودخلت في صراع مباشر مع مصر عندما تعلن عن دعمها لحركة الإخوان المسلمين وتعادي النظام السياسي المصري وتدعم الإرهابيين الناشطين ضد الجيش والأمن المصري داخل مصر وفي سيناء.

3-      ازدادت الخلافات مع حلفائها مثل إسرائيل نتيجة ما سمي بتعرض سفينة مرمرة لهجوم من الجيش الإسرائيلي ومقتل عدد من الأتراك وكذلك ساءت العلاقة مع كل من أمريكا والدول الغربية نتيجة السياسة التي يقوم بها أردوغان تجاه اللاجئين السوريين، وكذالك لإصراره لاستصدار قوانين تمكنه من التفرد بالحكم، والقرار وهذا يتعارض تماماً مع عقد الشراكة السياسية مع حلفائه المؤسسين من حزب العدالة والتنمية.

4-      الخلافات الكثيرة التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى أبرزها في الشأن الداخلي وهو شكل نظام الحكم الجديد الذي يريده (أردوغان) من نظام برلماني يؤيده ويدعمه (أوغلوا) إلى نظام رئاسي يسعى إليه ( أردوغان) ليمكنه من القبض على زمام الأمور في الدولة التركية بما يسمح له من تغيير الدستور والتصدي بقوة القانون لكل معارضيه وهذا ما يرفضه (أوغلوا) لاعتبارات كثيرة وهي كل ما تعرضنا له في هذا المقال سابقاً ولأن الشعب التركي لم يفوض الحزب الحاكم بتغيير نظام الحكم.

هذا ويعتبر أحمد داوود أوغلوا ثعلب السياسة التركية وهو يشغل منصب رئاسة حزب العدالة والتنمية ورئيساً للوزراء في تركيا ويعتبر رجل أوروبا وأمريكا الأول وتربطه بهم علاقة قوية عمادها التفاهم والدبلوماسية الهادئة على عكس أردوغان الذي يسعى إلى صعود الموجة والتوجه إلى تحقيق أهدافه وأحلامه الشخصية في إعادة أمجاد دولة الخلافة من خلال سعيه للتفرد بالقرار السياسي التركي وهذا ما أزعج حلفائه الغربيين والأمريكان، وفي ظل ذهاب أردوغان قدماً لتحقيق مبتغاه دونما الاكتراث لمصالح غيره في الحزب ولا لمصالح حلفائه وفي ظل تعارض وجهتي نظر كل من القطبين في الحزب ( أحمد داوود أوغلوا و طيب رجب أردوغان) وتعارض المواقف ووجهة النظر السياسي لكل منهما مع الآخر، لذا ارتأى أوغلوا الانسحاب من رئاسة حزب العدالة والتنمية لتجنب أيّ صدام قد يتطور ويؤدى إلى انشطار الحزب، ولتمرير تلك الفكرة قام أوغلوا بعقد مؤتمراً صحفياً تحدث عن نفسه وحرصه على النظام السياسي في الدولة وعلى الحزب وكأنه يشير بل يؤكد لجمهوره بأنه يستقيل من رئاسة الحزب حرصاً منه على المصلحة العليا للشعب وللدولة التركية، في حين أن ذلك كان بمثابة إعلان عن حالة الرفض القوي لما يقم به أردوغان من إتباع سياسة داخلية وخارجية أدت بتركيا إلى التراجع على مستوى العلاقات الداخلية والخارجية إقليمياً ودولياً.

ويبقى سؤالاً هل بات حزب العدالة والتنمية على أبواب الانقسام وهل بدء أحمد أوغلوا بالإعداد لإنشاء حزب جديد يضم كل معارضي سياسة أردوغان من داخل الحزب والأحزاب الأخرى وعلى رأسهم / كمال كيليجدار أوغلوا رئيس المعارضة التركية وهل بالتالي سنشهد تغيراً دراماتيكياً في الساحة السياسية التركية؟

وهذا ما ستجيب عليه الفترة القادمة.

د. عز الدين حسين أبو صفية

اخر الأخبار