إستحضار دروس المحرقة

تابعنا على:   02:50 2016-05-08

عمر حلمي الغول

حلت يوم الخميس الماضي الذكرى الواحدة السبعون للمحرقة (الهولوكست)، التي إرتكبتها النازية الالمانية ضد اتباع الديانة اليهودية، وأودت بحياة الملايين منهم. وأضافت تلك الجريمة على الحرب العالمية الثانية على بشاعتها وهمجيتها صورة قاتمة ووحشية، لانها إستهدفت ابرياء عزل، لا ذنب لهم سوى أنهم من اتباع الدين اليهودي.

هذه الجريمة البربرية لطخت صورة وتاريخ اوروبا كلها بالعار وليس فقط ألمانيا الهتلرية، لان حلفائها من الفاشيين الايطاليين والاسبان وادواتهم في باقي دول القارة العجوز، جميعهم كانوا شركاء فيما نجم عنها من عمليات حرق وقتل عن سابق تصميم وإصرار ضد الابرياء من ابناء القوميات الاوروبية المختلفة من اتباع الديانة اليهودية. صحيح، ان شعوب العالم فقدت ما يزيد على الخمسين مليونا من بني الانسان، غير ان المحرقة إحتلت حيزا هاما بين مجموع خسائر البشرية، لانها تجلت بابشع أشكال الجرائم الانسانية، لانها إتسمت بالعنصرية السوداء. وطالت ابراياء عزل، لم يكونوا في ميدان المعارك.

وحتى تعوض اوروبا الرأسمالية عن جريمتها النكراء ضد اليهود الاوروبيين، قامت بارتكاب محرقة جديدة، تمثلت بإقامة دولة إسرائيل الاستعمارية على انقاض نكبة الشعب العربي الفلسطيني. التي مازالت تلتهم بنيرانها حتى يوم الدنيا هذا اطفال ونساء وشيوخ وشباب الشعب العربي الفلسطيني. لان الحركة الصهيونية وركيزتها الدولة العبرية، للاسف الشديد تستحضر هول المحرقة ضد اليهود في عقد الاربعينيات من القرن الماضي بمحرقة أكثر وحشية ودونية ضدهم  (الفلسطينيين) من خلال الاحتلال والعنصرية والفاشية، التي أخذت تسم إسرائيل المارقة والخارجة على القانون.

وهذا يائير غولان، نائب رئيس الاركان الاسرائيلي، يقول مساء الاربعاء الماضي: أن المحرقة "يجب ان تدفعنا للتفكير بطبيعة الانسان، حتى لو كان الانسان نحن." واضاف" إن ما يخيفني حول إحياء ذكرى المحرقة، هو الاعتراف بالعمليات المقززة، التي حدثت في اوروبا وخصوصا في المانيا (...) والعثور على مؤشرات منها بيننا اليوم في عام 2016". ويقصد هنا عمليات الاعدام الميداني للفتيات والاطفال الفلسطينيين داخل حدود ال 48 وامام الحواجز الاسرائيلية في الخليل والقدس ونابلس وبيت لحم وجنين. وتابع يقول غولان : "لا يوجد اسهل من كراهية الغريب، ولا شيء أسهل من الترويع وإثارة المخاوف والتصرف مثل الحيوانات." وهو يعني هنا تعاظم وتوحش العنصرية اليهودية ضد الاغيار الفلسطينيين العرب.

هذه التصريحات اثارت جدلا واسعا في الشارع السياسي الاسرائيلي، فقال بينت، وزير التربية والتعليم، إن على غولان " التراجع فورا (...) قبل ان يستخدم ناكرو المحرقة هذه الكلمات الخاطئة كمعيار، وقبل مقارنة جنودنا بالنازيين." ومازال صداها يتعاظم في اوساط القوى الاسرائيلية بين الرافض والمؤيد. واذا تم التركيز على ما جاء على لسان زعيم حزب "البيت اليهودي"، فإن ما يخشاه بينت  تم تشخيصه قبل ان يدلي العسكري الرفيع غولان باقواله، ولكن دون نكران للمحرقة النازية ضد اليهود، بغض النظر عن ارقام ضحايا الهولوكست. لان المحرقة الاسرائيلية المتواصلة والمتفاقمة، لا تحتاج ليذكر بها ابناء الشعب الفلسطيني وقيادته وانصار السلام في العالم.لانها تكوي بنيرانها صباح مساء ابناء فلسطين جميعا. غير ان اهمية اقوال الجنرال غولان، انها تأت في لحظة تغول العنصرية والفاشية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين العرب، التي تتنافى مع ابسط معايير القيم الانسانية، لان القيم الاسرائيلية السياسية والعسكرية على حد سواء بما في ذلك قطعان المستعمرين الناظمة لممارساتهم وانتهاكاتهم وجرائم حربهم، هي ذات القيم، التي حكمت النظام الهتلري النازي في المانيا، ولكن تم إستبدال العنصرية الالمانية ضد اتباع الدين اليهودي، بالعنصرية اليهودية الاسرائيليىة ضد حملة الهوية الوطنية الفلسطينية والقومية العربية.

في ذكرى المحرقة النازية ضد اليهود، ياحبذا لو تتنبه القيادات الصهيونية بمختلف مشاربها من اخطار محرقتهم ضد الشعب العربي الفلسطيني، ويعيدوا النظر بجرائم حربهم وإستشراء العنصرية القاتلة بين صفوفهم، لانها بالضرورة ستطالهم قصر ام طال الزمن، لا مفر من تصويب المعادلة، وانتصار العدالة. فهل يتعظ نتنياهو وبينت ويعلون واريئيل وشاكيد وليبرمان ومن لف لفهم من دروس الهولوكست، ويفتحوا افقا للسلام وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967؟

[email protected]   

    

اخر الأخبار