كوامن العقل الباطن أو اللا شعور

تابعنا على:   20:23 2016-05-06

معمر رمضان

في المقال السابق تحدثنا عن قوى النفس الخفية والكامنة في الانسان , وماثلنا ما بين النفس والكهرباء, وذكرنا أننا حين نريد أن نعرف أحدهما , أننا نعرف مجهول بمجهول , وفي هذا المقال سنتطرق الى أحدى ركائز قوى النفس الا وهو العقل بكلا شقيه الواعي واللا واعي .

سألت سيدة "توماس أديسون" مخترع الكهرباء: ما هي الكهرباء يا سيد أديسون؟ أجاب أديسون: "سيدتي الكهرباء هي ....... استخدميها فقط ، الكهرباء هي اسم نتيجة لقوة خفية لا نعلمها تماماً ولكننا نعلم مبادئ الكهرباء واستخداماتها، إننا نستخدمها في مجالات لا حصر لها، إن العالم لا يستطيع رؤية الإلكترون - وهو شحنة كهربائية سالبة تشكل جزءاً من الذرة بالعين ولكنه يقبله على أنه حقيقة علمية، لأنها النتيجة الحقيقة الوحيدة التي تتطابق مع تجاربه. ونحن كذلك إننا لا نستطيع رؤية العقل لا الظاهر منه ولا الباطن ومع ذلك فإننا نعرف أننا نستخدمه ونستدل عليه ونقر بوجوده ونحن نكتب الآن لكي نعبر عن كوامنه وقدراته.

كان فرويد أول من كشف في الإنسان عقلاً ثانياً غير هذا العقل الواعي الذي اغتر به الناس طويلاً، وقد أسماه بالعقل الباطن أو اللاشعور. ومما تجدر الإشارة إليه أن فكرة اللاشعور كانت معروفة قبل فرويد، ولكنها كانت في الغالب فكرة غامضة غير واضحة المعالم , ويعزى إلى فرويد الفضل الأكبر في توضيح هذه الفكرة وفي إقامة بناء نظري شامخ فيها. وعندما ندرس نظرية فرويد في هذا الضوء نجد أنها خدمت البشرية خدمة لا يستهان بها، فهي قد وجهت الأنظار نحو ما يختفي في أعماق النفس من الرغبات القوية التي تدفع الإنسان في مختلف السبل من حيث لا يدري. حيث لم تلق فكرة من الرواج والانتشار في هذا القرن مثلما لقيته فكرة اللاشعور أو العقل الباطن. وقد أصبح حتى الذين يفكرون في وجود هذا العقل لا يستطيعون أن يفكروا في وجود بعض القوى الكامنة في أغوار النفس حيث تسيّر الإنسان وتؤثر في سلوكه من حيث لا يشعر.

أكثر ما أعجبني من تشبيه في هذا الأمر هو إن دماغ الإنسان يشبه عملاقاً نائماً، وقد أظهرت الأبحاث السيكولوجية والتربوية وأبحاث الكيمياء والفيزياء والرياضيات، إن قدرات العقل الكامنة أكثر بكثير مما يمكن تخيله وحتى المقولة القديمة التي تفيد بأننا نستخدم 1% من دماغنا قد تكون خاطئة حيث اتضح الآن أننا نستخدم أقل من ذلك بكثير، أي أن كمية هائلة من قدراتنا الكامنة لا تزال تنتظر أن تنمو وتتطور.

ولكي تتضح لك الفكرة عزيزي القاريء دعني أنبش في ذاكرتك شيئاُ ، حيث لابد أنك تذكر الأوقات التي تكون فيها في غرفتك لوحدك وأنت تنظر من النافذة محملقاً في أي شيء دون أن تشعر بما يدور حولك مفكراً في شيء معين بإصرار كي تراه أمامك في هذه الأوقات حيث تكون قد انتقلت من حالة الوعي إلى حالات أحلام اليقظة وفيها يكون عقلك الواعي ناعساً بعض الشيء فيسمح لك بالتنقل بين الأفكار، والأحاسيس التي تظهر في ذلك الوقت. ففي أحلام اليقظة تكون مستغرقاً تماماً، وتجلس بلا حراك, ذلك المشهد يفسر لنا تقسيم علماء النفس للعقل هذا التفسير الافتراضي من عقل واعي يقال عنه أحياناً بالعقل الظاهري، وهو يتعامل مع الأشياء الظاهرية والخارجية ويكتسب الإدراك والمعرفة من العالم الظاهر، حيث يتعلم العقل الواعي من خلال الملاحظة والتجربة والتعليم ووسائل هذا العقل في الملاحظة هي الحواس الخمسة، أي أن العقل الواعي مواجه في اتصال الفرد بالبيئة المحيطة به وإن أعظم وظيفة للعقل الواعي هي التفكير. أما العقل اللاواعي أو الباطن والذي يسمى أيضاً بالعقل الغير ظاهري، وهو يفهم عن طريق الحدس أو البديهية، وهو مركز للعواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة ويمتلك العقل الباطن القدرة على رؤية ما هو وراء نطاق البصر وهو ما يطلق عليه الاستبصار أو وحدة الإدراك فالعقل الباطن هو الذكاء الذي يظهر عندما يكون العقل الواعي في حالة نعاس أو نوم أو هدوء. ويمكن أن نسمي العقل الواعي: عقل الثقافة الحديثة، أما العقل الباطن فهو عقل الثقافة القديمة.

ونحن ما يهمنا أكثر هو قدرات العق الباطن وقد لا نخطيء إذا صنفنا الذين يؤمنون بوجود العقل الباطن إلى فريقين:

فريق منهم وهم أتباع مدرسة التحليل النفسي، يعتقدون بأن العقل الباطن يمكن الرغبات المكبوتة التي لم يستطع الإنسان إشباعها لسبب من الأسباب، وهذه الرغبات تبقى في نظرهم محبوسة في العقل الباطن وهي تحت ضغط شديد ناتج عن رقابة العقل الواعي. فإذا تخدر هذا العقل أو ضعف أو غفل أو نام وجدت الرغبات المكبوتة في ذلك فرصة سانحة للهروب من حبسها، وهي تظهر آنذاك بصور شتى وأساليب متنوعة.

الفريق الثاني يعتقد بأن العقل الباطن هو مهبط الوحي والكشف والإلهام في الإنسان، وهو منبع العبقرية والنبوة والاختراع وما أشبه. وقد تطرف بعضهم فذهب إلى أن العقل الباطن هو الروح. فيبدو أن العقل الظاهر والعقل الباطن متعاكسان في الطبيعة، أو على طرفي نقيض، فإذا اشتدت فعالية أحدهما خفت فعالية الآخر، ولعل هذا هو السبب الذي جعل خوارق الباطن تظهر بأوضح صورها أثناء التنويم المغناطيسي، فالنائم نوماً مغناطيسياً يكون عقله الظاهر مخدراً ولذا فهو لا يعي إلا ما يأمر به المنوم .

اذن يتضح مما سبق , أن العقل اللاواعي مرتبط بمسألة تكرار السلوك المكتسب وهو أمر يساعدنا في التعامل مع المواقف المختلفة بشكل أسرع، وذلك عندما تتكرر تلك المواقف، وعندما نتعلم كيف نتعامل مع موقف ما، فمن السهل علينا أن نتعامل معه مرة أخرى لأننا نستخدم في المرة الثانية معلومات مختزنة لدينا قد اكتسبناها من تعاملنا مع هذا الموقف في المرة الأولى. على سبيل المثال: عندما ننقل السرعات في السيارة أثناء القيادة فلن يطلب منا أن نفكر بعقلنا الواعي مرة أخرى في الأمر كيف ننقل السرعات وبأي اتجاه، لأن المعلومات المختزنة تأتي للذهن ألياً حين نواجه الموقف مرة ثانية وعندما نتعلم أماكن الحروف على لوحة المفاتيح على جهاز الحاسوب ، يمكننا أن نكتب عليها دون النظر إلى لوحة المفاتيح، لأننا كونا في عقلنا الواعي صورة ذهنية لشكل هذه اللوحة، والمعلومات الموجودة في العقل الواعي تغذي العقل اللاواعي مباشرة لأن هناك ارتباطاً قوياً بين جزئي العقل الواعي واللاواعي. فالفعل الواعي يستقبل ويدرك كل ما نراه أو نسمع أو نمر به من أحداث، ثم يقوم العقل الباطن بعد ذلك باختزانه في الذاكرة، وهذه الذاكرة تختزن الحدث ذاته بالإضافة إلى الشعور الذي صاحب وقوع الحدث بتصرف. وهذا ما يحدث بالفعل مع المدخنين حيث تصبح عادة التدخين ادمان عقلي في اللاشعور , فيشعل المدخن سيجارته آلياً وشعورياً , مستجيباً لكل مثير أرتبط مع التدخين .

اخر الأخبار