قصة قصيرة: الدبور (عبد القادر فارس)

تابعنا على:   23:00 2016-05-05

"من مذكرات فدائي"

اشتدت حدة المعارك في صيف قائظ شديد الحرارة , بين الجيش الأردني وقوات الثورة الفلسطينية المنتشرة في مناطق جرش وعجلون , وذلك بعد أن تمكنت قوات الجيش الأردني من إبعاد قواعد الفدائيين من العاصمة عمان والمدن الأردنية الأخرى , بعد تنفيذ مذابح أيلول الأسود في شهر سبتمبر عام 1970 , وما تلاها من اتفاق لنقل قواعد الفدائيين إلى منطقتي أحراش جرش وعجلون في شمال الأردن , وبعدها بدأ التخطيط لإخراج قوات الثورة الفلسطينية من الأردن , وتم فرض الحصار المشدد لعدة أشهر , ومن ثم الاستفزاز من قبل الجيش الأردني بعمليات القصف والتسلل لقواعد الفدائيين , ثم جاء القرار بشن المعركة الحاسمة , بعد أن أنهكت القوات الفلسطينية بالحصار , والقصف اليومي .. كان القصف شديدا بكل أنواع المدفعية , قبل أن تتمكن الدبابات والأليات العسكرية , بمشاركة الطائرات الحربية , من التقدم تجاه قواعد الفدائيين , وكان القرار العسكري الفلسطيني بالانسحاب شمالا تجاه الأراضي السورية عبر وادي خالد , كان القرار صعبا وخسر الفدائيون العشرات من عناصرهم , بينما اعتقل المئات , وتم نقلهم للسجون الأردنية , بينما زحف الآلاف باتجاه ممر وادي خالد في محاولة للوصول للأراضي السورية .. الرحلة ستستغرق نحو أربعة أيام من السير للوصول إلى الهدف , وسط الملاحقة من الجيش الأردني والميليشيات المسلحة في القرى التي يمر بها الفدائيون المنسحبون , كان السير ليلا في البداية حتى لا يتم كشفهم , ولتفادي قائظة الصيف اللاهب .. ولما اشتد القصف والملاحقة , تقرر السير في مجموعات صغيرة لا تتعدى العشرة أفراد , لتفادي الخسارات الكبيرة جراء مدفعية الجيش الأردني , ورصاص بنادق رجال الميليشيا , لكن الحرارة شديدة في شهر يوليو (تموز).. نفذ معظم الماء القليل الذي كان يحمله الفدائيون في " الزمازم " – الزمزمية تتسع لنحو نصف لتر من الماء - , بدأ العطش ينهك الأجساد التعبة التي لم تعرف النوم منذ عدة أيام , بالإضافة إلى قلة الأكل والسير المتعب في الجبال والوديان , لكن أكثر ما يحتاجه الانسان في هذه الظروف هو الماء , والجفاف يكاد يفتك بالبعض بسبب نفاذ المياه من الاجسام بفعل العرق , اقترح البعض عدم مواصلة الطريق والتوجه إلى أماكن تواجد الجيش الأردني لتسليم أنفسهم والنجاة من الموت قصفا أو عطشا .. وفي لحظة يأس صاح أحد الفدائيين من المجموعة , وكان فلاحا في الأصل : " وجدتها , وجدتها " , وكأنه العالم " ارخميدس " , عندما صاح من داخل الحمام , عندما اكتشف نظرية النسبية بعدما طف الماء من البانيو, وما علاقة ماء حمام أرخميدس , بالماء الذي تحتاجه الاجساد المرهقة , والألسنة التي جفت بانتظار قطرة ماء تبلل الشفاه .. تساءل الجميع باستغراب : ماذا وجدت يا رفيق .. أجاب إنه الماء !! هناك مياه .. ألم تشاهدوا تلك الدبابير .. وما لنا وللدبابير , الا تكفينا لسعة حرارة الجو وجفاف الحلوق , حتى ننتظر لسعات الدبابير , لنبتعد من طريقها أولا ... ردهم : لا ..لا , إنها دليلنا للماء .. كيف ذلك , أجاب إن الدبابير تتجمع هنا على أرض رطبة , لعل تحتها نبع لم يصل لسطح الأرض.. لا بد أنه نبع ماء لم يتفجر بعد .. صاح الجميع فعلا هنا أرض مبتلة , وانبطح الجميع يسابق الدبابير وينافسها على امتصاص الرمل المبتل , غير آبهين بلسعات الدبابير , التي تكفل البعض بإبعادها , بينما الآخرون يتلذذون بامتصاص المياه من الأرض الرطبة .. يا الله , لقد ابتلت الشفاه والألسنة , وعادت الروح لمن فقدوا الأمل بالحياة .. يا له من دبور بعثه الله لنا , كما بعث الغراب لابني آدم قابيل وهابيل .. تشجع الجميع وقرروا اكمال المشوار وعدم التسليم , لم يدم السير طويلا بعد ذلك , حين سمع الجميع خرير الماء .. نحن إذن على موعد مع الماء , مع الاتواء , صاح أحدهم : إنه وادي الرمان .. أخذوا يغترفون الماء الفرات بأيديهم يغسلون وجوههم , يملؤون زمازم الماء , ومنهم من رمى بنفسه في مياه الوادي , يريد لكامل الجسد أن يرتوي بعد هذه الرحلة الشاقة ... تواصلت الرحلة بكل نشاط ولاحت من بعيد أضواء الحدود السورية في وادي خالد .. شكر الجميع الله على نعمته والوصول بسلامة الله , وصاح أحدهم : لنشكر أيضا الدبور , فقد كان خير دليل , والرفيق المنقذ في هذا الدرب الصعب والطويل !!

اخر الأخبار