• الجمعة 22 يناير 2021
  • السنة الرابعة عشر
  • En
تنويه أمد
احتل ما يقارب عشرة من يهود أمريكا مناصب عليا، علها المرة الأولى في تاريخ أمريكا... هل هو فأل شؤم سياسي أم صدف مهنية، أم ثمن لمن دفع مال أكثر...خلينا نشوف كما هي عادة العرب عند العجز!

بيروت "كبيرة عليك"

تابعنا على:   12:57 2016-05-05

سحر مندور

هناك شيءٌ ما مستفزّ في «لائحة البيارتة»، وهو مستفزّ للذات البيروتيّة قبل سواها.
لفظة «البيارتة» محبّبة على أهل هذه المدينة. نحبّها. ومهما حاول النقاش أن يتحدّى ملكيّة البيارتة لبيروت (أو الباريسيّين لباريس، أو الشوام للشام، ...)، تراه يضيف ولا يلغي. يضيفُ مستوياتٍ إلى سيرة مدينةٍ رآها أهلها تتبدّل منذ مئات السنين. ذاكرة «البيارتة» تربط وجه بيروت الراهن ببساتين صنعت ملامحها في الخمسينيّات مثلاً، وتربط شوارع التظاهر بتلك التي خرجت تدعم الألمان خلال الحرب العالميّة الثانية، ... لا قرية لأهالي بيروت يذهبون إليها في العطل، ولا هم ينتمون سرديّاً إلى نصٍّ سواها. فيتشنّجون كلما أتاهم/نّ نقد، يقفلون على أنفسهم/ن كلّما أتاهم/نّ تهديد.
هذا الحسّ بالانتماء والملكيّة هو الذي شعر بالتهديد وأنتج الشوفينيّة لمّا ارتفع الصوت القائل بأن بيروت مدينةٌ لجميع سكّانها. فقد أتى ذلك بعد حربٍ أهليّة أمعنت بحرق بيروت، ولم تكن يد «البيارتة» هي الأعلى فيها. نظروا إليها تحترق على أيدي عساكر كثيرهم وافدٌ من خارجها. وبعد الخروج المقهور من الحرب، أتى الحريريّ الأب بخطابٍ يثبّت ملكيّتهم/نّ لمدينتهم/نّ، ويستثمر بهذا السياق. بدأ من الأسواق، بما تعنيه لـ «البيارتة». كانت مرتع حيواتهم/نّ والذكريات.
أتاهم بشعارٍ يربط الناحيتين من ضفّة الزمن تماماً مثلما يشتهون، وكأن الحرب لم تقع: «مدينةٌ عريقةٌ للمستقبل»، وكأن ذلك ممكنٌ. ولم يكن ذلك ممكناً، بدليل اعتصام وسط البلد الذي أقفل «سوليدير»، وشدّ العصبيّة البيروتيّة إلى أقصاها. رغم لا واقعيّته وإشكالياته، استوعب شعار الأب الناس من غير «البيارتة» على أساس القدرة الاقتصاديّة، لا بل أُخِذ عليه أنه يدعو الأجانب للتملّك فيها. أما شعار ابنه اليوم فيعود بخيال العاصمة ليحصره في سجل النفوس، بينما الهواتف ذكيّةٌ والعصر معولمٌ. لا ماضٍ عريق ولا مستقبل شيّق. ويتم ذلك في محاولة للتذاكي أتت متبلدة الذهن، هدفها مداعبة العصب الإقصائيّ في ملكيّة «البيارتة» لبيروت. تجاهل خطاب الإبن سنوات المدينة الأخيرة التي تخللها اجتياحٌ عسكريّ، وحربٌ اقتصاديّة، وخصخصة شواطئ، ونزوحٌ سكنيّ، ولجوءٌ ضاغط. ألم يشعر بأنه يتوجّب عليه، في الظرف الراهن لتراجع الشعبيّة مثلاً، طرح فكرة «أسمى» من الشعبويّة الخوشبوشيّة متجسّدةً بالشعار المعجزة: «أنا متلكم مع لايحة البيارتة»؟ فكرةٌ مبنية على معرفة ببيروت، وواقعها الراهن، وأهلها، والتحديّات التي تكسر ظهرها. فكرةٌ لها جذورٌ في الأرض، لا تهبط هكذا من أشد الغيمات بديهيّةً في سماء العصبيّات، خارج الزمن والسياق.
هو ابن رجلٍ سياسيّ أحبّه بيارتة كثر للوعود التي قطعها عنهم ولمدينتهم/ن، وقد أحبّوا ابنه أيضاً لذلك. لكن المسألة مرتبطةٌ فعليّاً ببيروت، لا به. وهي مدينةٌ، إذ يحتاج أهلها ذوو النفوس المسجّلة فيها اعترافاً بملكيّتها، تراهم/نّ يتخيّلونها محميّةً، تتسع لقدراتهم/ن الاقتصاديّة، خضراء تعتني بضعفائها، عالميّة ربما، منيرة دائماً، ... وبيروت تستأهل أملاً كهذا، وخطاباً أشدّ عدالة. لمّا يحدّ خطابٌ أفقَها بسجل النفوس، تراه يحيلها قريةً في محافظةً أو، في أحسن الأحوال، مركزاً لقضاء. ولذلك، هو يستحق ما قاله المصريّون لجمال مبارك يوم طرح نفسه خلفاً لوالده: «مصر كبيرة عليك». بيروت فعلاً «كبيرة عليك» يا «ابن الغالي»، كما يقول «البيارتة».

عن السفير

اخر الأخبار