المشهد السياسي الفلسطيني (1)

تابعنا على:   14:14 2016-05-03

د. عز الدين حسين أبو صفية

لم يتمكن الجهد والأداء السياسي الفلسطيني من إحداث اختراق في جوانب عدة من الصراع مع إسرائيل في كافة الجوانب ولم يكن ذلك بسبب ضعف الأداء الفلسطيني فقط إن كان على الصعيد التفاوضي أو على الصعيد الدبلوماسي بل كان سبب عدم تحقيق أيّ اختراق أو نجاحات تذكر أو يمكن البناء عليه وإكمال مسيرة حل الصراع والنزاع مع إسرائيل وانحصر سبب ذلك في السياسة الإسرائيلية المتعنتة والرافضة لأيّ مبادرة تسعى لحل الصراع إن كانت مبادرات وتوجهات فلسطينية أو مبادرات عربية أو حتى المبادرات الأوروبية حتى وإن كانت تلك المبادرات لا تلبى إحقاق الحقوق الفلسطينية لذا آلت جميع المبادرات إلى الفشل، وكان لذلك أسبابه القديمة والحديثة.

فأين تكمن المشكلة؟

منذ قرار التقسيم رقم 181 عام 1947 والذي نص على إقامة دولتين واحدة عربية والثانية يهودية ولا يعتبر الاعتراف بأيّ من الدولتين اعترافاً كاملاً إن لم تعترف كل منهما بالأخرى.

قامت إسرائيل على الجزء المخصص لها في قرار التقسيم وعلى الأرض الفلسطينية المنهوبة والمسروقة من الفلسطينيين الذين تم تهجير معظمهم من مدنهم وقراهم وأراضيهم التي يمتلكونها وتؤكد ذلك وثائق الطابو الرسمية الصادرة عن حكومة الانتداب البريطاني إلا أن العالم الظالم والمجتمع الدولي اعترف بالكيان الصهيوني (إسرائيل) كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة وتم رفع العلم الإسرائيلي إلى جوار أعلام الدول الأخرى والمدعية بتعاطفها أو تأييدها لإقامة الدولة العربية ( فلسطين).

هذا ولم توقف بعض الدول العربية والدول الأجنبية عن دعمهم للفلسطينيين والعمل على إحقاق الحق الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة منذ عام النكبة وحتى الآن.

وبعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964 لم يتوقف الجهد الفلسطيني وقيادته السياسية آنذاك عن السعي الدؤوب لتحقيق طموحاتهم ومطالبهم وإحقاق حقوقهم، وبعد أن تولى القائد / أبو عمار زمام ورئاسة م.ت.ف بعد هزيمة ونكسة عام 1967 وترأسه منظمة التحرير الفلسطينية انتقلت القضية الفلسطينية من مرحلة السكون والمراوحة في ذات المكان إلى الانطلاق نحو العمل والجهد الجديّ لإبراز القضية الفلسطينية وإخراجها من إطار قضية لاجئين إلى إطارها الجديد وتثبيت أن القضية الفلسطينية هي قضية شعب بأكمله هجر قسراً من دياره ووطنه وقد كان لاعتراف الجامعة العربية بمكوناتها من الدول العربية بأن م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين كان لذلك أثراً إيجابياً على القضية الفلسطينية ومجمل تفرعاتها وجوانبها وخاصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لم تكن م.ت.ف تدرك أو قد تكون مدركة آنذاك بأن المجتمع الدولي لا يمكن له أن يقوَ على تنفيذ جميع المطالب الفلسطينية التي ما زالت تراوح مكانها رغم أنه ومنذ قرار التقسيم ومروراً بكل أحداث الحقبة الزمنية تلك وحتى الآن صدرت عشرات القرارات التي تقر بالحقوق الفلسطينية بالكامل من حق العودة وإكمال الجزء المتبقي من قرار التقسيم وهو إقامة الدولة الفلسطينية إلا أن المنظمة الدولية واجهت صعوبات في ذلك كان من أهم أسبابها:

1-      الممارسة الصهيونية الظالمة ضد الفلسطينيين بهدف استمرار قهرهم وإطال أمد الأزمة والعمل على تغيير المفاهيم الدولية بحيث باتت جميعها لا تقوَ على تنفيذ قراراتها المتخذة من قبلها إن كانت بشأن الحقوق الفلسطينية أو ضد السلوك الإسرائيلي المرفوض من المجتمع الدولي، لذا باتت جميع قرارات الأمم المتحدة إن كانت الصادرة عن مجلس الأمن أو حتى عن الجمعية العمومية بات حبراً على ورق على مدى أكثر من سبع وستون عاماً.

2-      المواقف الأمريكية والأوروبية المنحازة للجانب الإسرائيلي بشكل لا يخرج عن الدعم الكامل لإسرائيل وتبنى مواقفها والدفاع عنها مقابل الإهمال المتعمد لكل ما هو في مصلحة الفلسطينيين وقضيتهم وتمثل ذلك في التصويت ضد مشاريع القرارات التي تدين إسرائيل في كافة سلوكياتها اللاإنسانية والمخالفة لنظام الأمم المتحدة وقوانينها ولم تتوان تلك الدول لإفشال مشاريع تلك القرارات من استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشاريع القرارات تلك.

3-      الصلف والتعنت الإسرائيلي وضربها بعرض الحائط لكل ما من شأنه أن يعط الفلسطينيين ولو جزءاً يسيراً من حقوقهم حتى وإن كان قرارات لا تتعدى كتابات على ورق وقد لاقت إسرائيل من تلك الدول كل التأييد والدعم السياسي والمالي والعسكري، مما دفع بإسرائيل للاستقواء والتنمر ليس على الشعب الفلسطيني فحسب بل على جميع الدول العربية وخاصة الثورية منها والتي تظن فيهم بأنهم يشكلون خطراً داهماً مستقبلياً على وجودها، لذا فلم تتوان في شن حروبها ضدهم وأعمال القتل والاغتيالات في صفوف المفكرين والمبدعين والعلماء والقادة والمناضلين وأن هذا المسلسل لازال مستمراً حتى الآن.

4-      أمراً آخراً هو ضعف الموقف العربي الرسمي وعدم مقدرته من تسخير واستغلال قواه الكامنة إن كانت اقتصادية (البترول والغاز) أو البشرية أو حتى الجغرافية (ممرات ومعابر مائية وبرية)، عدم تمكنه أو حتى عدم رغبة البعض منهم بتسخير تلك القوة أو بعض منها لدعم الشعب الفلسطيني سياسياً من خلا الضغط على دول المجتمع الدولي للتجاوب مع حقوق الشعب الفلسطيني.

هذه السيناريوهات الأربع لازالت قائمة حتى الآن مما دفع بالقيادة الفلسطينية إلى تطوير فكرها السياسي والتعامل بواقعية مع مجمل الظروف السياسية الدولية وبدء فتح حوارات غير مباشرة وعبر دول صديقة وذلك من خلال لقاءات مع شخصيات تحمل فكرة الحل السلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وقد أنتجت هذه اللقاءات في مجملها (اتفاق أوسلو) ونحن هنا لسنا بصدد تقييم اتفاق أوسلو.

لم يكن إقامة السلطة الوطنية تنفيذاً لاتفاق أوسلو فقط وإنما جاء أيضاً تطبيقاً لقرارات م.ت.ف ومجلسها الوطني منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي المتضمنة إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أيّ أرض فلسطينية يتم تحريرها أو الحصول عليها بأيّ جهد آخر حتى وإن كان عبر وسائل حلول سلمية مستقبلية.

إلا أن السلطة الوطنية بقيادتها السياسية واجهت صعوبات كثيرة حرمتها من تحقيق الأهداف الإستراتيجية للفلسطينيين وهي إقامة دولتهم المستقلة بحدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وكان من أهم هذه المعيقات المواقف الإسرائيلية الزئبقية والمتعنتة والتضليلية والرافضة للرؤية الفلسطينية للحل والتي باتت رؤية المجتمع الدولي والعربي وعملت على إفراغ اتفاق أوسلو من مضمونه وتنكرت لمعظم بنوده واستحقاقات مراحله، بالإضافة إلى مواقفها التفاوضية الرخوة وعدم جديتها في إنهاء الصراع وإيجاد الحل المنطقي والمناسب فعملت على استغلال المفاوضات المباشرة مع الجانب الفلسطيني وعمدت إلى تكثف الاستيطان وتهويد مدينة القدس وبناء جدار الفصل العنصري كحدود ثابتة مستقبلاً تفصل بين التجمعات السكانية الفلسطينية التي باتت محصورة ضمن كانتونات تفتقر للتواصل الجغرافي فيما بينها بعد أن عمدت إلى مصادرة مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية وهدم البيوت الفلسطينية وتركيز هذا الهدف في مدينة القدس الشرقية لتنفيذ سياستها التي باتت مكشوفة أمام الفلسطينيين والمجتمع الدولي اعتقاداً منها بأن ما تقوم به سيصعب من فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً وبالتالي تفرض سيناريوهات الحل مستبعداً منها التوجهات نحو إقامة دولة ثنائية القومية خاصة في ظل سعي القيادة الإسرائيلية إلى انتزاع اعترافاً من الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل وهذا ما ترفضه القيادة الفلسطينية وجانب مهم من المجتمع الدولي والعربي، كما أن إسرائيل تعمل أيضاً على إفشال إمكانية إقامة دولة فلسطينية موحدة على حدود الرابع من حزيران عام 1976 تشمل كامل التراب الفلسطيني في كل من قطاع غزة وأراضي الضفة الغربية كاملة.

ولكن في ظل المعطيات التالية، ما هو الموقف والرؤية الفلسطينية وأين تقف؟ :

1-      في ظل سيطرة حماس على قطاع غزة بقوة السلاح وإقصاء السلطة الوطنية عنه وعدم جديتها في تنفيذ بنود المصالحة وإنهاء الانقسام وفي ظل علاقاتها مع كل من تركيا وقطر الساعيتين إلى تكريس الانقسام وعدم تنفيذ المصالحة وإيهامها بأن فك الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة يكمن في استمرار حماس في حكم قطاع غزة وتنفيذ مشروعيّ بناء مطار وميناء غزة بعيداً عن السلطة الفلسطينية وحرمانها من أيّ دور مستقبلي لها في ذلك، وأن تصريحات الدكتور محمود الزهار بشأن موافقة حماس على أن تشرف إسرائيل على الميناء والمطار ورفضه وقيادة حماس أن يكون للسلطة الوطنية الفلسطينية أيّ دور أو تواجد لها في هاتين المنشأتين بالإضافة إلى رفض حماس السابق لأيّ وجود للسلطة في معبر رفح وبيت حانون، مما يعزز فكرة التوجه نحو إقامة دويلة (إمارة) إسلامية في غزة رغم النفي المتكرر لقيادات حماس لهذه الفكرة.

2-      إن ما يدور في ساحات الوطن العربي وتدمير البني التحتية لبعض الدول وكذلك البني العسكرية والهادفة إلى تشتيت الجهد والقوة العربية وإضعافها أمام الهجمة الصهيونية وسياساتها التوسعية، إن ذلك يصب في مصلحة إسرائيل وتوجهاتها نحو عدم تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم.

3-      انشغال المجتمع الدولي وتحديداً الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ سياساتها التدميرية للمكون العربي بذريعة محاربتها للإرهاب، أدى إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعملية السلمية برمتها، وباتت توجهاتها خجولة غير فاعلة، مما دفع بإسرائيل إلى رفع مستوى تعنتها وإنكارها للحقوق الفلسطينية وباتت كالكلب المسعور تسابق الزمن وتلق بتصريحات هنا وهناك تظهر نواياها التوسعية ورفضها للحلول السلمية، وليس بعيداً عنا ما صرح به نتن ياهو بشأن ضم هضبة الجولان السورية لإسرائيل وإنكاره الحق السوري فيها، إضافة إلى ذلك تصريحاته بشأن توجهه إلى استصدار قراراً من الكنيست الإسرائيلي بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل. إذن في ظل هذه السيناريوهات ما هو الموقف الرسمي الفلسطيني؟

1-      مما لا شك فيه أن القيادة الفلسطينية تعي تماماً للمخطط الإسرائيلي وإن كان لا حول لها ولا قوة في التصدي لذلك إلا أنها لم تألو جهداً سياسياً في كافة المحافل الدولية إلا وقامت به للجم التعنت والصلف الإسرائيلي، وكان من نتائج ذلك تبني فرنسا لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام لإنهاء الصراع الفلسطيني وإحقاق الحق الفلسطيني وهذا ما رفضته إسرائيل رفضاً مطلقاً كما أن السلطة الوطنية لازالت تمسك بالعصا من منتصفها وهي تستخدم أسلوب يمكنها من الضغط على الجانب الإسرائيلي للجلوس للمفاوضات دونما أيّ شروط مع إبراز جرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني وتستخدم السلطة في ذلك:

أ‌-       تقديم الشكاوى المتلاحقة ضد إسرائيل في المحافل الدولية بشأن جرائمها وسلوكها المتسارع في مصادرة الأراضي الفلسطينية وسعيها لإفشال كل الإمكانات لأيّ حل مستقبلي قد يفضى إلى إقامة دولة فلسطينية.

ب‌-     سعت القيادة الفلسطينية بالتوجه للحصول على عضوية في معظم المؤسسات والمحاكم الدولية لتتمكن بذلك من تقديم الشكاوى بحق إسرائيل وسلوكها في القتل ومصادرة الأراضي والاستيطان.

2-      تسعى القيادة الفلسطينية إلى تجنيد كافة الدول العربية ومعظم الدول الأوروبية للحصول على دعمها وتأييدها في وجهة نظرها ومواقفها للتصدي للمواقف الإسرائيلية.

3-      تقف السلطة الوطنية موقف الرافض لأيّ تصورات حلول بشأن الضفة الغربية وما يروجه البعض باتحاد كنفدرالي مع الأردن وأنها لا تمانع في ذلك استناداً لموقف الزعيم الراحل أبو عمار على أساس أن يكون هذا الاتحاد بين دولتين مستقلتين ( المملكة الأردنية ودولة فلسطين) مع الحفاظ على الهوية الفلسطينية وعدم تذويب الشعب الفلسطيني وإنهاء أهم قضاياه وهو حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

وأخيراً في ظل جميع هذه المعطيات هل ومتى ستعي حماس خطورة الوضع القائم من انقسام وعدم تنفيذ المصالحة والتفرد في حكم قطاع غزة ومحاولات إسرائيل الاستفراد بها والعمل على تمزيق الشعب والقضية الفلسطينية بتقديمها بعض المغريات لحركة حماس، وهل ستظل السلطة الوطنية واعية لذلك وأن تعمل على احتضان الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه السياسية والمجتمعية والتجاوب مع توجهات ومطالب كافة الفصائل الفلسطينية، وهل ستعي السلطة الوطنية بأن لملمة الشأن الفلسطيني من الأهمية بمكان لضرب أيّ تغريد خارج السرب الفلسطيني من قبل بعض الشخصيات الفلسطينية وإفشال كافة المخططات والمراهنات الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية على إضعاف الموقف الفلسطيني والاستمرار في ظلمه.

 

اخر الأخبار