حال الدولة

تابعنا على:   14:03 2016-05-01

حازم منير

أسبوع من الأحداث السريعة المتلاحقة أزاح الستار عن الكثير من الغموض فى المشهد المصرى، وأظهر مدى التغير فى عناصر المعادلة السياسية، وكشف مواطن إيجابية وأخرى شديدة السلبية، وحدد إلى درجة كبيرة المساحات التى يحتلها كل طرف من المعنيين فى المرحلة المقبلة.

بدت الدولة المصرية أكثر قوة وقدرة فى مواجهة المنقلبين عليها، واستعاد الأمن المصرى التقليدى مساحة كبيرة من تماسكه وقدرته على السيطرة، وبدا تراجع واضح فى علاقة «الثوريين» بالشعب، وأظهروا عجزاً واضحاً فى قدراتهم على استقطاب الناس لصالح دعواتهم الاحتجاجية وكشفت التفاعلات انعزالهم عن غالبية الأحزاب السياسية الفاعلة مقابل تمتينهم لتحالفهم مع جماعة الإخوان التى فقدت بدورها قدرتها على التأثير الميدانى واستبدلت ذلك بالإنفاق المالى الكثيف على حملات إعلامية دولية للاستفادة من الغياب الإعلامى الكامل للدولة، كما كشفت الوقائع أن المنظمات المستقلة ليست أكثر من أدوات فى أيدى الخارج للضغط على الحكم.

سياسياً أظهرت الأحزاب السياسية الفاعلة رفضها الانسياق لدعوات وشعارات «يسقط يسقط» وحرصت على توضيح تمايزها فى مواقفها المعارضة من داخل مؤسسات الدولة وليس انقلاباً عليها، وأنها أكثر إصراراً على تعميق مفهوم العمل المؤسسى عن الفعل الانقلابى، كما بدا أن علاقات النقابات ومنظمات المجتمع المدنى بالدولة غامضة ومشوشة.

شعبياً لا يمكن اعتبار رفض الناس الانخراط فى دعوات التحريض بمثابة تأييد لمواقف الدولة قدر ما يمكن اعتباره استمراراً لمواقف الغالبية المتمسكة بحبال الأمل ودعم الدولة من أجل تحسين الأوضاع دون السقوط فى بئر الانهيار ومستنقع الفوضى الخلاقة الذى تعانى منه العديد من دول المنطقة.

فى المقابل أظهرت الدولة عدم إيمانها بدور الأحزاب، وكشف تعاملها عن انحيازها للمفاهيم التقليدية وللدور البيروقراطى فى إدارة شئونها ولم تسع لتوسيع دائرة القرار واجتذاب أكبر مساحة ممكنة من دوائر الفعل وإطلاع أطرافها على المعلومات قبل إعلانها.

وكشفت تطورات الأحداث عن استمرار حال الفراغ السياسى فى البلاد والفشل فى سده بسبب جملة من العوامل تقع كلها تحت عنوان «غياب رؤية شاملة لتطوير الحياة السياسية وتفعيل دور مؤسسات الدولة وفى مقدمتها تسييس قيادة الجهاز التنفيذى للدولة وتفعيل دور الأحزاب، وتنشيط وجذب منظمات المجتمع المدنى من نقابات وجمعيات أهلية لدوائر الفعل المنظم» بينما داوم القرار السياسى اعتماده على الجهاز البيروقراطى وموظفى الدولة رغم أن الدول لا تقاد بالموظفين من المكاتب إنما بالسياسيين من الشوارع، واستمرت المؤسسة الأمنية فى أدائها التقليدى ولم تُظهر تطوراً فى أدائها يتواكب مع المتغيرات العديدة التى لحقت بالواقع.

وخارجياً فقد ترسخت فكرة المصالح فوق المبادئ، وبدا أن التطورات الأمنية الحاصلة والجغرافية المنتظرة بالمنطقة ذات تأثير إيجابى على العلاقة مع الدولة المصرية أكثر من تأثير الانتقادات على سلبيات الأداء، وأن الانتقادات لن تمنع تواصل العلاقات لدعم الاستقرار الأمنى، ولكنها ستشهد إبطاء فى دعم التنمية الاقتصادية.

حال البلاد يشير إلى ولادة أزمات من محاولات استيعاب أزمات أخرى، ما يعنى استمرار منهج التعامل الجزئى اليومى مع الأزمات من دون رؤية استراتيجية شاملة تعظم من أدوات القوة المتوافرة وتعمل على تنمية أدوات جديدة، نحن فى حاجة إلى مؤتمر لتطوير الحياة الحزبية، وتفعيل دور الجمعيات الأهلية، وتنمية قدرات النقابات فى مواجهة أزماتها، ومعالجة الانفلات والخلل الإعلامى، والأهم تمتين ثقة الناس فى دولتهم.

أخشى أن الإدارة المصرية نسيت هى الأخرى أن هذا الشعب ثار مرتين فى عامين.

عن الوطن المصرية

اخر الأخبار