على ماذا تتفاوض “القيادة” الفلسطينية؟

تابعنا على:   08:02 2014-01-20

أمد/ كتب عبدالاله بلقزيز: تجري المفاوضات الفلسطينية "الإسرائيلية" في أسوأ الشروط التي يمكن أن تتم فيها من وجهة نظر مصلحة المفاوض الفلسطيني، وفي أفضل الشروط التي تطلبها الدولة الصهيونية ومفاوضوها .

فالراعي الدولي الذي يدير التفاوض (الإدارة الأمريكية) منحاز إلى فريق بعينه "إسرائيل"، ولا يلُحظ في التفاوض سوى مصالح هذا الفريق الذي يجاهر بأن أمنه يقع في صلب الاستراتيجيات العليا للدولة الفيدرالية الأمريكية، وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط . وإلى ذلك فإن هذا "الراعي" باق - منذ رحيل الاتحاد السوفييتي - يستحوذ على ملف الصراع العربي الصهيوني، ويحتكر إدارته ورسم صيغ التفاوض وقواعده، ويهمش أي دور عالمي آخر ممكن من قبيل دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن .

وإذا أخذنا في الحسبان ضعف إدارة باراك أوباما أمام الغطرسة الصهيونية، وعجزها حتى عن حَمْل حكومة بنيامين نتنياهو على وقف الاستيطان، أو تعليقه حتى، لتسهيل التفاوض وتمكين "الراعي" الأمريكي من إقناع

سلطة رام الله بالعودة إلى "عملية السلام"، تبينا إلى أي

حد تصب "الرعاية" الأمريكية في مصلحة المفاوض الصهيوني، اليوم، مثلما صبت في مصلحته أمس: منذ "مؤتمر مدريد" .

والشقيق العربي لاه اليوم، بل منذ زمن، عن قضية فلسطين وشعبها، تاركاً إياها لمصيرها بين الأشداق الصهيونية الأمريكية، التهى عنها، أمس، بقطرياته الضيقة التي انغمس فيها ذاهلاً عن محيطه القومي الأوسع، وهو اليوم يمعن في النأي بنفسه عنها في لجة حروبه الأهلية الداخلية التي يتفرغ فيها بعضه لبعضه، والتي زادتها أحداث "الربيع العربي" اشتعالاً أما "جامعته" "العربية" فلم تعد تشغلها فلسطين وقضايا الصراع العربي الصهيوني، ومسائل الأمن القومي، والتكامل الاقتصادي والاعتماد المتبادل، بل وجدت لنفسها "أجندات" أخرى لا يعرف لها أحد من العرب وجه شرعية أو مبرراً .

والوضع الفلسطيني الداخلي بلغ من السوء والتآكل والاهتراء حداً لا يسعف مفاوضه بأي مورد من موارد القوة في مفاوضة عدو يفرض بالاحتلال قوته، فإلى أن المفاوض الفلسطيني يعلن رفضه الجهير لخيار المقاومة (عسكرة الانتفاضة كما يسميها)، ولا يملك من بديل لها غير التفاوض (وإذا فشل التفاوض فلا بديل له عنده غير التفاوض كما يقول)، وإلى أن هذا المفاوض لا يتعظ، كثيراً أو قليلاً، بدروس الماضي بما فيها المآلات الفاشلة للمفاوضات، فإن الانقسام الفلسطيني أخذ مداه في المجتمع الوطني، ومزق نسيجه الاجتماعي بعد تمزيقه جغرافياً وسياسياً ومؤسساتياً، وهو - اليوم- يلقي بمفاعيله السلبية على مجمل الوضع السياسي الداخلي، ويفقر القيادة الفلسطينية من أوراقها كافة (الشرعية الثورية، الشرعية التمثيلية، التأييد الشعبي، الخيارات البديلة في حال فشل التفاوض) . ثم إن المسيطرين على غزة انضموا إلى جبهة المهادنين ل"إسرائيل"، منصرفين إلى التورط في الأزمات الداخلية للجوار العربي، متبرعين للأمن الصهيوني براحة مديدة تمكنه من استنزاف المفاوض في رام الله، بل تمكنه من التفرغ للمزيد من الاستيطان .

ما الذي يمكن أن تسعى إليه "إسرائيل" أفضل من هذا الوضع الذي تجد فيه نفسها طليقة اليد في فلسطين، وفي مصيرها، من غير رادع أو رقيب؟ ولقد يخطئ من يعتقد أنها أجبرت على التفاوض بضغط أمريكي، فالتفاوض هذا - بالشروط التي بها يجري- يريحها أكثر من ذي قبل، ليس لأنها تستدر فيه تنازلات المفاوض الفلسطيني، أكثر مما فعلت في سنوات التسعينات وصولاً إلى كامب ديفيد الثانية (يوليو 2000)، ولكن لأنها توحي إلى العالم - من خلاله - بأنها منخرطة في "عملية سلام" .

المشكلة في الموضوع كله أن "القيادة" الفلسطينية في رام الله لا تجهل هذه الحقائق، لا تجهل أنها تفاوض في شروط نابذة، مجردة فيها من جميع موارد القوة الوطنية والعربية والدولية . وأن "إسرائيل" تريد المفاوضات جزءاً من العلاقات العامة وتحسيناً لصورتها في العالم، من دون أن تقدم أي ثمن لقاء ذلك .

ومع هذا الإدراك لهذه الحقائق تصرّ "القيادة" على الانغماس في هذا الخيار العبثي غير عابئة بتبعاته على قضية شعبها .

*كاتب مغربي

عن الخليج الاماراتية

اخر الأخبار