نشطاء سياسيون أم أدعياء ثوريون؟

تابعنا على:   10:35 2014-01-16

السيد يسن

لا يمكن لنا أن نفهم بعمق المشهد السياسي الراهن في مصر بما يزخر به من صراع عنيف بين القوى الليبرالية التي تعبر عن أنبل ما في ثورة 25 يناير 2011 وموجتها الثانية في 30 يونيو، والقوى الرجعية المتخلفة التي تمثلها شراذم جماعة «الإخوان المسلمين» التي تمارس ترويع الشعب، ومحاولة تعطيل مسيرة خريطة الطريق، بغير رسم خريطة معرفية للمجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير.
وقد سبق لنا أن رسمنا هذه الخريطة في مقال نشرناه في 29 ديسمبر 2011 (راجع كتابنا 25 يناير: الشعب على منصة التاريخ، المركز العربي للبحوث، 2013، ص172).
وقد حددنا أربعة ملامح للمجتمع بعد الثورة في مقدمتها انزواء دور «المثقف التقليدي» والذي ساد طوال القرن العشرين، والذي كان يقوم على أساس تبني رؤية نقدية لأحوال المجتمع، والاهتمام بالشأن العام من خلال تبني إيديولوجيات محددة لحساب دور جديد ناشئ لمن يطلق عليه «الناشط السياسي».
والملمح الثاني ظهور الحشود الجماهيرية الهائلة التي حلت محل المظاهرات المحدودة العدد، والملمح الثالث الصراع بين الشرعية الثورية والشرعية الديموقراطية، والملمح الرابع والأخير إصرار الجماهير على المشاركة الفعالة في عملية صنع القرار والرقابة على تنفيذه.
وأريد أن أقف اليوم أمام فئة الناشطين السياسيين. هؤلاء الناشطون السياسيون من بينهم هؤلاء الذين نجحوا في الدعوة إلى التظاهر يوم 25 يناير 2011 في ميدان التحرير، وأن ينتقلوا من خلال عملية «التشبيك» الإلكتروني على شبكة الإنترنت Networking من العالم الافتراضي إلى المجتمع الواقعي. وهكذا مع بداية نزول هؤلاء الناشطين إلى الشوارع فوجئوا هم أنفسهم بأن مئات الألوف من جماهير الشعب حولوا المظاهرة المحدودة إلى ثورة شعبية، نجحت في إسقاط النظام، وأجبرت «مبارك» على التنحي عن الحكم.
ومنذ ذلك الوقت برزت فئة «الناشطين السياسيين» الذين تشرذمت صفوفهم وتعددت ائتلافاتهم الثورية حتى فاقت 200 ائتلاف، وتزايدت المنافسة بينهم حول الظهور الإعلامي المكثف، باعتبارهم زعماء الثورة الذين سيحددون هم وحدهم المسار السياسي للبلاد.
وضمت فئة الناشطين السياسيين أنماطاً متعددة من البشر من الصعب بمكان تحديد هويتهم السياسية، أو معرفة المهن التي يعملون فيها. وأصبحت صفة «الناشط السياسي» مهنة لا مهنة له! وأصبح هؤلاء الناشطون هم اللاعبون الأساسيون في المشهد السياسي بحكم قدراتهم على تحريك الشارع، وتنظيم المظاهرات الجماهيرية الحاشدة التي يزودونها بالهتافات الصارخة بل والمتطرفة في كثير من الأحيان، والتي كانت تدفع الجماهير إلى ممارسة العنف ضد قوات الأمن وضد القوات المسلحة في بعض الأحيان.
وقد التفت منذ وقت مبكر حقاً إلى خطورة السلوك السياسي لهؤلاء «الناشطين» إذ نشرت في 21 يوليو 2011 مقالاً بعنوان «بيان من أجل حماية الثورة» قلت في بدايته بالنص «آن أوان المصارحة والمكاشفة. لم تعد تجدي عبارات التمجيد المستحقة لشباب ثورة 25 يناير الذين خططوا ونفذوا أهم ثورة في القرن الحادي والعشرين... لأن صفوف الثوار اخترقتها جماعات لا هوية لها، وبعضها تحيط الشكوك والشبهات حول توجهاتها، مما يطرح أسئلة مهمة تتعلق بالجهات الداخلية أو الخارجية التي تدفعها إلى رفع شعارات خطيرة، أو تبني قرارات تمس الأمن القومي في الصميم».
وأشرنا إلى الشعارات الغوغائية التي كانت تنادي – هكذا من دون أي تمييز- أن «الشرطة بلطجية» «ويسقط حكم العسكر»، بما يتضمنه ذلك من هجوم غير مبرر على القوات المسلحة التي حمى المجلس الأعلى لها ثورة 25 يناير ذاتها. ومعنى ذلك أننا كنا أمام جماعات تسعى إلى الفرقة بين القوات المسلحة والشعب، بل لأن بعض الشعارات التي رفعها بعض هؤلاء النشطاء كانت تدعو لتعطيل الملاحة في قناة السويس احتجاجاً على بعض الأوضاع السياسية!
ومعنى ذلك أن جماعات شاردة من هؤلاء النشطاء السياسيين تحولوا عن قصد إلى جماعات تخريبية تسعى إلى هدم الدولة كما تعبر عن ذلك صراحة جماعة «الاشتراكيون الثوريون». ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن هؤلاء الناشطين السياسيين ليسوا كلهم شباب ففيهم شيوخ كانت لهم أدوار قبل ثورة 25 يناير، ولكنهم بعد أن تصدروا أدوار البطولة لم يجدوا بأساً من أن يلعبوا دور «الكومبارس» في المرحلة التي يعيش الشباب أدوارها الرئيسية، فتراهم من دون أي شعور بالحس الوطني أو المسؤولية السياسية ينافقون شباب الناشطين، ويؤيدون تحركاتهم الفوضوية، حتى لو كان في ذلك هدم للدولة وتفكيك للمجتمع.
وبعض هؤلاء العواجيز من الناشطين السياسيين لم يقرأ كتاباً في حياته، وأغلبهم «مثقفون بالسماع» يلتفظون الأفكار من منصات الحوار، ويلوكونها في الفضائيات كالببغاوات وهم لا يعرفون أصلها من فصلها! ولكن لديهم جرأة غريبة على ادعاء الثورية والصراخ بالشعارات الزاعقة، من دون أن يدركوا أن مشوارهم وصل إلى منتهاه منذ زمن بعيد!
وليس أدل على ذلك أن واحداً منهم صرح مؤخراً – لا فض فوه- أن تصريحات الفريق أول «عبد الفتاح السيسي» حول ترشحه للرئاسة «أمر غير محسوب وأن الوقت ليس مناسباً للخروج بهذه التصريحات وأن هذا قد يؤثر على حشد المواطنين للاستفتاء على الدستور».
يتحدث الرجل بثقة وكأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وفى الوقت نفسه يبدو كما لو كان وصياً على الشعب المصري وهو وأمثاله الذين سيرسمون طريقه!
ولم تتوان ناشطة سياسية تدور حول رحلاتها المتعددة للخارج شبهات متعددة وهى من أدعياء الثورية أيضاً عن تأييد هذا التصريح بقولها «إنها كانت تفضل أن يبقى «السيسي» وزيراً للدفاع لأنه لو أصبح رئيساً سوف يخضع لحكم الشعب عليه وانتقاده ومهاجمته أحياناً!»
وهذه الدّعية الثورية التي تملأ شاشات الفضائيات بجهلها الفاضح مثلها في ذلك مثل زملائها من الأدعياء لا تفرق بين شرعية النقد لأي رئيس «ومهاجمته» كما تقول!
والواقع أنه آن الأوان لغربلة صفوف من يطلق عليهم «الناشطون السياسيون» ففهيم ولا شك في ذلك مجموعات من أنبل شباب مصر، ولكن صفوفهم تضم أيضاً أعداداً كبيرة من الأدعياء والانتهازيين الذين ظنوا وهماً- كما أثبتت ذلك المكالمات التليفونية التي أذاعها الأستاذ «عبد الرحيم علي»- أنهم يستطيعون أن يحكموا البلاد من وراء ستار، فيعينون هذا رئيساً للجمهورية وذلك رئيساً للوزراء في محاولات عابثة بمصير الوطن لا تعكس سوى نوع من أنواع المراهقة اليسارية التي قضت عليها القيادات الثورية الحقيقية لثورة 30 يونيو.
لقد بدأت مسيرة الديموقراطية الحقيقية في مصر المحروسة، وسيلفظ الشعب من بين صفوفه الرجعيين والخونة، وسيعطي الصدارة للثوريين الحقيقيين.
عن الاتحاد الاماراتية

اخر الأخبار