الشيوعية يا "بردويل" عدوٌ لدود للصهيونية

تابعنا على:   17:58 2014-01-15

عبد الرحمن عوض الله

يقول الباحث عبد الغني سلامة في بحثه الطويل: "الإسلام السياسي في فلسطين.  النشأة، المسارات، المستقبل".

"إن الإسلام السياسي بالمعنى الحزبي قد تأخر ظهوره في فلسطين إلى ما بعد النكبة.

1.  جماعة الإخوان المسلمين

"في عام 1943ظهرت حركة الإخوان في فلسطين، وقبل النكبة كان عدد فروع الإخوان (25) فرعا, وجميعها تتبع القيادة المركزية في مصر, وبعد النكبة انقسم الإخوان المسلمون إلى قسمين الأول: في الضفة الغربية, وكان هذا الفرع يتبع قيادة الجماعة في الأردن, وعملوا بحرية, وأن إخوانهم في القسم الغزاوي الذي عانى أيام حكم عبد الناصر أكثر تشددا و إنغلاقا, ولكن الإخوان عموما مروا بعد النكبة ولغاية منتصف السبعينيات بمرحلة من الكمون والانعزال الجماهيري, والغياب شبه التام عن مسرح الأحداث السياسية والعسكرية في فلسطين".

وبعد وفاة عبد الناصر وتسلم السادات السلطة في مصر أفرج عن الإخوان المسلمين من السجون وأستخدمهم ضد الناصريين والشيوعيين, وهنا أعاد فرع الإخوان في غزة اتصالاتهم بالإخوان في مصر ونالوا مساعداتهم ودعمهم.

وبعد الاحتلال الإسرائيلي, وبسبب انقطاع صلاتهم مع التنظيم في مصر, تحولوا إلى قيادات ميدانية, وقد باشر هؤلاء عملهم "بصورة قانونية" تحت مسعى جمعيات عثمانية حصلت على ترخيصها من الحاكم العسكري الإسرائيلي ومن أقدم هذه الجمعيات(المجمع الإسلامي), وحصل على ترخيص بمساعدة الشيخ الخازندار عام 1977. ويضيف الباحث عبد الغني سلامة بالقول: وعن كتاب الصحافي(زكي شهاب):(داخل حماس) منحت السلطات العسكرية الإسرائيلية (الشيخ ياسين) رخصة المجمع خلال ساعتين, ويضيف (شهاب)أن السماح للمجمع الإسلامي كان دليلا على سياسة لإسرائيل من أجل التأثير على نشاطات فتح في غزة. وقد سئل إسحاق رابين (رئيس الوزراء ووزير الحرب) في الكنيست الإسرائيلية عن دعمه لحماس من خلال تمويله للمجمع الإسلامي, فأجاب:"إن هذا الدعم تكتيكي من أجل التأثير على نشاطات منظمة التحرير الفلسطينية).

 

في تصريح له, قال د. صلاح البردويل القائد في حركة حماس صباح الأحد 29/12/2013 على صفحته ( الفيس بوك) رداً على التصريحات والبيانات التي تطالب حماس بفك ارتباطها بالإخوان في مصر حفاظاً على رأسها من "الانقلاب" بأن قائليها مرتزقة وبباغات التسوية، وإن هؤلاء "الهبل"، على حد تعبيره، نسوا أن حماس ليست مرتبطة بالاخوان في مصر، وإنما هي حركة الإخوان بشحمها ولحمها، ولكن في فلسطين، ثم سأل من وجهوا الدعوة لحماس بقوله: " كيف الانفكاك يا بقايا الشيوعية التابعة للصهيونية" ؟؟!!

وأنا هنا لن أعمد إلى أسلوبه الاستفزازي في القول واتهام الآخرين بدون أدلة ولا قرائن مثبتة، ولن أتحدث عن انفكاك حماس عن الإخوان، فمثل هذه الدعوات لن يستجاب لها، وستكون دعوات قبض الريح، فالعقائد والأفكار لا تصحح بإجراءات أمنية، إلا إذا استخدم معتنقوها القتل والتخريب والعنف والإرهاب، وتُقارَع الأفكار بالأفكار التي تخدم المصالح العليا للأوطان والشعوب، وتدفع بها إلى التقدم والعدالة والكرامة الإنسانية والعيش الرغيد، وحقوق الإنسان، وعدم التفرقة بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو اللون، أو الجنس، والمساواة بينهم، وتطبيق القوانين المستندة إلى دستور يُستفتى الشعب عليه ويقره.

        ونحن الشيوعيين نختلف مع الإخوان في الكثير من القضايا الفكرية والسياسية والثقافية، وفهمهم للدين، وفي الوقت ذاته نربأ بأنفسنا أن نجادلهم كما يجادلون الآخرين بكل أساليب التهجم والاستفزاز والتكفير والاتهامات الباطلة، وسأجادل البردويل، ومَنْ هم على شاكلته، وسأرد على تصريحه بالوثائق والأدلة الدامغة، وبالوقائع الملموسة، وسأجيب عن سؤاله كيف الانفكاك من حركة الإخوان العالمي, ومن الأفكار الضالة لجماعة الإخوان، وأساليبهم الإجرامية التي اكتوت بنيرانها جماهير شعبنا في قطاع غزة ؟! نحن لا نطالبكم بالتخلي عن عقيدتكم، ولكننا نرى أن تُسخر لتحرير الوطن والشعب من براثن العدو الصهيوني، وخدمة جماهير شعبنا ومصالحها العليا وحقوقها الوطنية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة المشردين إلى ديارهم التي شُردوا منها عام 1948، وإقامة مجتمع تسوده العدالة والديمقراطية والمساواة في الحقوق والواجبات، والانحياز للطبقات والفئات الفقيرة.

ونحن "بقايا الشيوعية" نرى الفكاك كما يلي:

أولاً:  1. ارفعوا أيديكم وحكمكم وبسيطرتكم بالقوة والترهيب عن شعبنا في قطاع غزة، وأنهوا أساليب القمع وكمِّ الأفواه ومطاردة وسجن من يخالفكم في الرأي.

2.  إن قطاع غزة الذي لم يعرف طوال تاريخه السابق على انقلابكم مليونيرا واحداً، والآن وكما أشارت الوثائق إلى أن ألف مليونير في قطاع غزة نبتوا كالهلوك من أحشائكم وأحشاء أتباعكم. فلماذا لا توظفوا هذه الأموال, والأموال التي حصلتم وتحصلون عليها من قطر وغيرها في حل مشاكل البطالة والجوع والفقر المدقع، وفي بناء بنية تحتية في القطاع، وإعمار عشرات الآلاف من البيوت المدمرة التي هُدمت, بفعل العدوان الصهيوني المتكرر، وغضب الطبيعة الكارثي.

وحين توزعون المعونات التي تصل إلى قطاع غزة توزعونها على أساس سياسي لأزلامكم وأتباعكم، وكم اشتكى الناس من هذه الأساليب غير الإنسانية وغير الأخلاقية، والمخالفة للدين الحنيف!!.

3. إذا كانت حماس تتدخل بالفعل في شؤون الشعب المصري، كما يؤكد الإعلام المصري بكل أنواعه، والمسؤولون، فعليها أن توقف فوراً تدخّلها في الشؤون الداخلية المصرية، وتوقف إعلامها الذي يضخ التحريض، وأن تمنع القوى المتطرفة التي حضنتها حماس يوماً ودربتها من التسلل عبر الأنفاق إلى داخل مصر. وسيكون (أهبل) على حد تعبير البردويل ويخطئ من يعتقد أن الإخوان المسلمين في قطاع غزة لا يتدخلون في الشؤون الداخلية المصرية لمساندة إخوانهم في مصر، فهو أمر منطقي تدعمه وحدة العقيدة والفكر والمصلحة العليا لهذا التنظيم العالمي الذي شكل الإخوان في مصر تاريخياً أما للإخوان في قطاع غزة.

4.  التوجه للمصالحة فوراً، وذلك أولاً بحل الحكومتين في الضفة وقطاع غزة, والتوجه للقيادة الشرعية برئاسة محمود عباس، والإطار القيادي المتفق عليه، وتشكيل حكومة التوافق الوطني، والتوجه نحو انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني على أساس مبدأ التمثيل النسبي الكامل.

ثانياً: من هم بقايا الشيوعية؟ وهل هم تابعون للصهيونية ؟؟

ويقصد البردويل "ببقايا الشيوعية": حزب الشعب الفلسطيني, والإتحاد الديمقراطي (فدا) والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لأن هذه القوى قد تبنت الماركسية، أي باختصار قوى اليسار الفلسطيني، ومن يقف معه ويؤيده من القوى والعناصر الديمقراطية والتقدمية. ونعلم جيداً أن الإخوان المسلمين يعتبرون جميع هذه القوى كفرة، وحين يتعاملون مع إحدى هذه القوى ويبتسمون ابتسامات الثعلب للفريسة، فإنهم يهدفون بذلك شق صفوفهم وتفريقهم لكي يتفردوا بالسلطة.

                   ·وهل الشيوعيون والشيوعية تابعون للصهيونية؟

إن موقف الشيوعيين والشيوعية تاريخياً من الصهيونية كان وسيظل عبر العصور من ألدّ أعدائها، وهم من قاوموها وفضحوا أسس كيانها وطبيعتها العنصرية الفاشية، منذ ماركس ولنين وستالين، ومن جاء بعدهم من الشيوعيين في جميع بلدان العالم، وفي البلدان العربية وفلسطين، وسيظل موقفهم كذلك إلى الأبد.

وحين كانت الحركة الصهيونية ما تزال في مرحلة التكوين فقد قام (لينين) بدحض أسسها نظرياً، واتخذ مواقف عملية ضدها، ودحض منطلقاتها الفكرية، وفضح جوهرها الطبقي الرجعي، ودورها التخريبي العدائي، وبشكل خاص تجاه الحركة العمالية، وفضح (لينين) مقولة شعب الله المختار، ونقاء الجنس اليهودي، وأزلية اللاسامية، ودعا (لينين) إلى اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، وفضح الجهود الصهيونية الرامية إلى ضمان عزلة اليهود من أجل استمرار السيطرة عليهم. كما عرّى ستالين جوهر الصهيونية، ووصفها بأنها "مظهر الشوفينية الفجة"، بل وأضاف "إنها حركة سياسية رجعية تجمع أنصارها من اليهود من صغار ومتوسطي البرجوازيين والمثقفين، ورجال الأعمال والفنيين، وأكثر القطاعات تخلفاً من العمال اليهود، كما تهدف إلى فصل جماهير العمال اليهود عن النضال العام للبروليتاريا (الطبقة العاملة).

وفي 28/12/1919، نشرت المفوضية المؤقتة لشؤون اليهود القومية لدى مفوضية الشعب لشؤون القوميات في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية نداءً خاصاً أشار، باستنكار شديد، إلى أن الصهاينة يحاولون إزاحة العرب من فلسطين، ويستعدون لإنشاء دولة يهودية لهم هناك. وقالت فيه "إن جماهير الشغيلة اليهود ترى في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية وطنها الاشتراكي الذي تدافع عنه مع عمال روسيا وفلاحيها ضد الامبريالية وضد جميع العملاء، وإننا لسنا بحاجة إلى أية بلدان اخرى ولا ندّعي أية حقوق قومية لامتلاك فلسطين".

وقد لعب المؤتمر الثاني للكومنترن ( الأممية الشيوعية ) الذي انعقد في تموز / يوليو – آب / أغسطس عام 1920 دوراً كبيراً في فضح دسائس الصهاينة في فلسطين، حيث طرحت في هذا المؤتمر ضرورة فضح نظرية وتطبيق الصهيونية الرجعية، وخصوصاً مسألة تأسيس دولة صهيونية في فلسطين تحت الحماية البريطانية، وأشير إلى أن السكان اليهود في فلسطين لا يشكلون أغلبية، فهم أقلية ضئيلة تسعى إلى إخضاع جماهير الشغيلة التي تشكل أغلبية البلاد، وعلينا أن نناضل بأشد ما يكون الحزم ضد هذا النوع من الميول، فالصهاينة يسعون إلى كسب أنصار لهم في جميع البلدان، وهم يخدمون بدعايتهم وتحريضهم مصالح طبقة الرأسماليين، ويجب على الأممية الشيوعية أن تكافح هذه الحركة بأشد ما يمكن من "الحزم".

 

ولم يكتف الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية بفضح الحركة الصهيونية، وتسليط الأضواء على مؤامرة غزو فلسطين.  فعندما اندلعت ثورة 1929، (هبة البراق)  أيدها الاتحاد السوفييتي، ورأى فيها تعبيراً عن نهوض حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وبأنها ثورة شعبية ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية، كما دعا الكومنترن ( الأممية الشيوعية ) إلى تأييد ثورة 1933، و1936، و1939، ودعمها والوقوف إلى جانبها، ووصفها بأنها (حركة التحرر العربية الباسلة)، وأكثر من ذلك، فقد طالب الاتحاد السوفييتي بوقف الهجرة إلى فلسطين، واحتفاظ فلسطين بعروبتها، حيث أنه عندما أثارت بريطانيا مسألة تقسيم فلسطين لأول مرة، عام 1936 اعترض الاتحاد السوفييتي عليها، باعتبار أن العرب سيفقدون بالتقسيم أفضل أراضيهم وفق مشروع (اللورد بيل) الذي ترأس اللجنة الملكية البريطانية التي اقترحت المشروع، ورأى الاتحاد السوفييتي أن انشاء دولة يهودية، لا يخدم سوى البرجوازية اليهودية، وسيوجه ضربة إلى الحركة الثورية العربية.

أما لماذا وافق الاتحاد السوفييتي على قرار الجمعية العامة رقم (181)، بتقسيم فلسطين فسنوضحه لاحقاً، وهذا غيض من فيض هائل لمواقف الشيوعية من الصهيونية، وجاهل من لا يعرف هذه الحقائق[1].

                   ·هل "بقايا الشيوعية" في فلسطين تابعة للصهيونية؟؟

أمّا إذا كانت الجبهة الديمقراطية والاتحاد الديمقراطي (فدا) والجبهة الشعبية (تابعات) للصهيونية التي يقصدها البردويل، فإن تاريخها النضالي السياسي والعسكري والثقافي والإعلامي، والتضحيات الجسام لمئات الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن شعبهم، وفي مواجهة إسرائيل الصهيونية، من أجل تحرير الوطن، وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة المشردين إلى ديارهم التي شردوا منها عام 1948، وهي قادرة على فضح تُرهات البردويل، أمّا إذا كان المقصود بالشيوعيين الفلسطينيين، أنهم تابعون للصهيونية، فتاريخهم في فلسطين يدحض هذا الاتهام.

ففي عام 1923 اعترفت الأممية الشيوعية ( الكومنترن) بالحزب الشيوعي الفلسطيني، وكان هذا الحزب كان معادياً للصهيونية، وصار الرفيق رضوان الحلو أمين عام هذا الحزب، وفي الأعوام الثورية 1936 – 1939 شارك الشيوعيون العرب واليهود بدعم الثورة الفلسطينية الكبرى، وساهموا في القتال ضد الاستعمار ( الانتداب البريطاني) والصهيونية، فسجن العديد منهم وأُبعد آخرون.

وقد شارك الرفيق فؤاد نصار في هذه الثورة وعدد من زملائه، فطوردوا، وتشردوا إلى العراق، وبعد فترة عادوا إلى فلسطين. واستمروا في نضالهم ضدّ الاستعمار البريطاني والصهيونية، ووقفوا بشدة ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين التي دعمها الرئيس الأمريكي ترومان وضغط على البريطانيين لتوسيعها وتسريعها، وساهموا في الانتفاضات الشعبية المتلاحقة، وفي أواخر عام 1943 حصل خلاف بين الشيوعيين الفلسطينيين والشيوعيين اليهود في الحزب الشيوعي الفلسطيني، بسبب تأييد الأخيرين لهجرة اليهود، والحديث عن تقرير مصيرهم، فانقسم هذا الحزب وخرج منه الشيوعيون الفلسطينيون، وشكلوا أوائل عام 1944 حزبهم الخاص (عصبة التحرر الوطني في فلسطين) وفي طليعتهم إميل توما وفؤاد نصّار وتوفيق طوبي و فهمي السلفيتي، وإميل حبيبي، وعبد الله البندك وحسن يحيى ابو عيشة وعودة عباس الأشهب، ومخلص عمرو، وغيرهم من أبرز الشخصيات المناضلة والمثقفة، ومجموعة من العمال، وفي عام 1946 وصلت إلى فلسطين اللجنة الأنجلو أمريكية للبحث والتحقيق في الوضع المتفجر بين اليهود والفلسطينيين واقتراح الحلّ، فالتقت بالهيئة العربية العليا واستمعت للجامعة العربية، وزار فريق منها سورية ولبنان والعراق والسعودية والقيادة الصهيونية في فلسطين.

وقد رفضت عصبة التحرر الوطني لقاء هذه اللجنة التي كانت مع المطالب الصهيونية ومنحازة لها، وقد وضعت هذه اللجنة تقريرها النهائي في آذار/ مارس من هذه السنة 1946 الذي جاء مناقضاً للأحكام التي وردت في الكتاب الأبيض الذي أعلنه الإنجليز عام 1939، وشكّل نسفاً كاملا له، ولعل أبلغ تعليق على تقرير هذه اللجنة ما قاله (هاري سكر) الصهيوني: ((أما العرب فقد خسروا جميع النقاط. لا كتاب أبيض، ولا دولة عربية (في فلسطين) ولا تدخل من الدول العربية في شؤون فلسطين)) ورداً على ذلك وشجباً لهذا التقرير وفضحاً له لتحيّزه للصهيونية، فقد نشطت (عصبة التحرر الوطني) بعقد المهرجانات والندوات وإطلاق التظاهرات في قرى، ومدن فلسطين، لاستنكار المؤامرة الأنجلو أمريكية الصهيونية، ودعت الشعب الفلسطيني لمقاومتها كما بعثت إلى هيئة الأمم المتحدة رأيها في حلّ القضية الفلسطينية الذي يؤكد على: ((جلاء الاستعمار البريطاني عن فلسطين، وإقامة دولة ديمقراطية يعيش فيها العرب واليهود كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات))، وفي هذه الفترة أخذت العصابات الصهيونية تصعّد من عملياتها الإرهابية، واحتدم الصراع بين الشعب الفلسطيني والصهاينة، وأعلنت بريطانيا في الثاني من نوفمبر 1947 أن قواتها ستجلو عن فلسطين في الخامس عشر من أيار/ مايو 1948، وقد رفضت عصبة التحرر الوطني قرار التقسيم في اجتماعها مساء الجمعة 17 تشرين أول/ أكتوبر 1947 في مركزها العام في يافا، وأصدرت بيانا نشرته صحيفتها (الاتحاد) في 25/ تشرين الثاني/ أكتوبر، وأشار البيان إلى أنّ: ((مستقبل فلسطين ليس في التناحر العنصري، وليس في التقسيم، ولكن هو في تعاون سكانها أجمعين، وعملهم السلمي على بناء فلسطين ديمقراطية مستقلة موحدة غير مجزأة)) وكان موقف الاتحاد السّوفيتي على لسان وزير خارجيته (غروميكو) الذي أدرك ضخامة التآمر الامبريالي العالمي الصهيوني الرجعي على فلسطين هو: ((تصفية الانتداب البريطاني وتكوين دولة ديمقراطية مستقلة للعرب واليهود))، وأضاف قائلاً: ((إنّ هذا الحل هو المرغوب فيه في فلسطين، فإذا ظهر أن هذا الحل غير عملي بسبب سوء العلاقات بين العرب واليهود، فلا بدّ من تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية)) وأضاف (غروميكو): ((إن هذا الحل (يعني التقسيم) يجب عدم الأخذ به إلا إذا ثبت أن العلاقات بين العرب واليهود تبلغ من السوء حداً يمتنع فيه تحقيق التعاون السلمي بينهما، ولا يرجى فيه إي إصلاح.))

وبعد صدور قرار التقسيم، أخذت العصابات الصهيونية تصعد وتوسع عدوانها وجرائمها البشعة وتطهيرها العرقي والاستيلاء على عدد كبير من المدن والقرى، وتشريد شعبنا مما أحدث اختلالا في موازين القوى واستحالة قيام دولة ديمقراطية مستقلة وموحدة.

وفي شباط/ فبراير عام 1948 انعقد في الناصرة (كونغرس) العصبة الذي اتخذ قراراً يستند إلى المعطيات الجديدة على الساحة الفلسطينية آنذاك،تؤكد فيه أنه رغم الإجحاف الكبير بحق الشعب الفلسطيني الذي مثّله قرار التقسيم، فإنّ عصبة التحرر الوطني تدعو الشعب الفلسطيني إلى الموافقة عليه، لأنها أدركت أن المؤامرة الامبريالية الصهيونية الرجعية تستهدف وجود الشعب بأسره، وتعمل على قهره وتشريده، وأن الدول العربية والهيئة العربية العليا (الفلسطينية) طالبت ببقاء الانتداب البريطاني على فلسطين أصل الداء والعدو الأساسي، وطالبت العصبة جماهير الشعب بعدم النزوح عن البلاد والصمود في فلسطين، ولم يعد الخيار بين دولة ديمقراطية مستقلة وموحدة في فلسطين، أو التقسيم، وإنما أصبح الخيار الواقعي هو قبول قرار التقسيم، أو تشريد الشعب الفلسطيني وتهجيره خارج وطنه، وقد استطاعت العصابات الصهيونية بدعم من الامبريالية العالمية وبمساعدة الاستعمار البريطاني قبل رحيله احتلال حيفا في 1/4/1948 ويافا في 24/3/1948، وصفد وعكا وبيسان وطبريا ومئات القرى العربية وطردوا جميع سكانها.

وخلال الفترة الممتدة ما بين كانون أول/ ديسمبر، ومنتصف أيار/ مايو 1948 فقد احتلت العصابات الصهيونية مئات المدن والقرى وطردت سكانها، ويقول الكاتب الإسرائيلي (بيني عاموس) من المؤرخين الجدد في كتابه (نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين)، وقبل دخول الجيوش العربية: (( إن القوات الصهيونية قامت منذ 15/5/1948 وحتى 1/6/1948 باحتلال (291) قرية وطردت (400) ألف عربي، واستخدمت أساليب الإرهاب والقتل الجماعي)) ويقول د.(إيلان بابيه) المحاضر في جامعة حيفا في كتابه (التطهير العرقي في فلسطين): إن القوات الصهيونية دمرت (500) قرية وأفرغت (11) مدينة من سكانها مستخدمة كل أساليب القتل والتشريد والتطهير العرقي.

وبدخول الجيوش العربية السبعة التي كان عدد قواتها (22) ألف و(900) جندي، حسب ما أشار إليه الجنرال جون كلوب البريطاني قائد الجيش الأردني في كتابه "جندي مع العرب"، استكملتْ المؤامرة الامبريالية الصهيونية الرجعية مخططها التّصفوي؛ حين دخلت الجيوش العربية إلى المدن والقرى التي لم يستطع الصهاينة احتلالها، وانسحبت منها، وتشرّد سكانها إما إلى الضفة الغربية والأردن وقطاع غزة، ومصر، وإما إلى لبنان وسورية، والعراق. وقد لعب أبناء عصبة التحرر الوطني الفلسطيني (حزب الشيوعيين الفلسطينيين) دوراً وطنيا تاريخيا حين عملوا وناضلوا بشجاعة من أجل صمود وبقاء المواطنين الفلسطينيين في مدنهم وقراهم في الناصرة، ويافا، وحيفا وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية، قبل قيام إسرائيل وبعد قيامها، وشكلوا قاعدة ومرتكزاً متقدماً لنضال الشعب الفلسطيني وتحرير وطنه، وتحقيق كامل حقوقه الوطنية المشروعة، ولعبت صحيفتها (الاتحاد) التي لا زالت تصدر حتى اليوم، دورا إعلاميا مركزا وشجاعا في الدفاع عن جماهير شعبنا داخل إسرائيل التي تعاني من التمييز العنصري والقهر والتطهير العرقي حتى الآن.

وبقي قطاع غزة شعبا وأرضا فلسطينياً تحت الإدارة  العسكرية المصرية الملكية، وتحت الإدارة العسكرية المصرية بعد الثورة المصرية في 23/7/1952، وبقيت عصبة التحرر الوطني الحزب الوحيد في قطاع غزة الذي تحول في عام 1953 إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني مناضلا من اجل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وعودة المشردين إلى ديارهم، وعانى أعضاؤها من حملات الاعتقال المتتابعة بعد منتصف عام 1948، وفي عام 1949، و1951، و1952، و 1955حين أسقط شعبنا بقيادة الشيوعيين الفلسطينيين مشروع توطين اللاجئين في سيناء، ووقفوا بشجاعة ضد أساليب القمع والمطاردة والاعتقالات، وضربوا أسطع الأمثلة في صمودهم في زنازين التعذيب، وحين احتلت القوات الإسرائيلية إبان العدوان الثلاثي عام 1956 قاوموا هذا الاحتلال بشجاعة وعانوا أبشع أشكال التعذيب في أقبية سجونه.

وفي عام 1967 حين احتل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة في 5/6/1967 لعب دورا طليعيا في تشكيل (الجبهة الوطنية المتحدة) في آب / أغسطس 1967 من: الحزب، وحركة القوميين العرب التي انفصلت عن الجبهة بعد فترة وحزب البعث العربي الاشتراكي، وجبهة تحرير فلسطين، (ج.ت.ف) وجيش التحرير الفلسطيني وقوات التحرير الشعبية التنظيم الفدائي لهذا الجيش، ومن الشخصيات الوطنية البارزة كالدكتور حيدر عبد الشافي، ومنير الريّس رئيس بلدية غزة، ومن الأستاذ خليل صالح عويضة عضو اللجنة المركزية للحزب والذي كان المشرف العام على مدارس وكالة الغوث الدولية (الأونروا) والأستاذ فريد ابو وردة نائبه، وأصدرت سراً صحيفتها (المقاومة) التي كانت تصدر كل أسبوع، وكانت شعلة في الدفاع عن الجماهير، وفضح كل أشكال العدوان الاسرائيلي، داعية إلى مواجهة الاحتلال ومخططاته في تهجير السكان إلى الأردن أو مصر، وتحريضهم وقيادتهم في التظاهرات الشعبية العارمة التي ترفض هذه المخططات، عبر النشرات والمنشورات الموجهة لتنظيم فعاليات المقاومة وغيرها من النشاطات التي لا تتوقف في إقامة اللجان الوطنية في المدن والقرى والمخيمات والمدارس والمعاهد.

وفي أواخر عام 1967 شكل الحزب والجبهة الوطنية المتحدة جناحها العسكري بقيادة الحزب، وتسلّم الرفيق طعمه مشتهى قيادة هذا الجناح، وحين طُورد وغادر سراً إلى الضفة الغربية، وفي أريحا قام الرفيق داود عريقات (أبو سلام) بمساعدته عبر وسيلة لا تخطر على بال إلى الوصول إلى عمان سالماً، ومنها غادر (طعمة) إلى القاهرة حيث افتتح هناك مكتباً للجبهة الوطنية المتحدة بترخيص من السلطة المصرية، وذلك تقديراً لرفاقنا الذين ساعدوا الضباط المصريين في التخفي، وتأمينهم في بيوتهم، ثم تزويدهم بالهويات والوثائق المزورة للركوب في الحافلات المتجهة إلى عمان، حيث تتسلمهم السفارة المصرية في عمّان، وقد تسلم الرفيق عمر أحمد عوض الله قيادة هذا الجناح العسكري الذي قام بـ(554) عملية عسكرية ضد الاحتلال، وتعاون في عمليات مسلحة مشتركة مع قوات التحرير الشعبية ضد الاحتلال، وكان من نتائج ذلك اعتقال المئات من رفاقنا ومن أعضاء الجبهة، وتشريد الكثير منهم وإبعادهم إلى الأردن، وقد حُكم العديد منهم بأحكام قاسية مابين 7 سنوات ااو 12 سنة أو 15 سنة أو مؤبد، وحين قُبض على الرفيق عمر عوض الله عام 1970، وعُذب تعذيباً شديداً ثم قدم للمحاكمة، فدافع دفاعاً سياسياً مجيداً، فأدان الاحتلال والصهيونية، وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وحقه في تقرير مصيره.. الخ، فحُكم عليه بالمؤبد، وفي 20/1/1975 استشهد في سجن عسقلان الصهيوني الدموي، ولم يتوقف الحزب، وواصل نضاله وخصوصاً بعد تشكيل ( الجبهة الوطنية الفلسطينية بتاريخ 15/1/1973، في الضفة الغربية والقطاع التي  كانت تتويجاً لنضالات الشيوعيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والأردن من أجل تقرير مصير الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وإقامة دولته المستقلة وعودة المشردين إلى ديارهم، وعانوا تاريخياً من القهر والتعذيب على أيدي الخبراء الألمان الفاشست في الجفر، وسجون الأردن الأخرى، وفي السجون الإسرائيلية، وبعد تشكيل الجبهة الوطنية ووضع برنامجها السياسي، أصدرت صحيفتها (فلسطين) التي صدر عددها الأول في أواسط آذار/مارس 1974ـ وحددت أهدافها، ومنها (النضال لنيل حقوق الشعب الفلسطيني، ومنها حقه في تقرير مصيره فوق ترابه الوطني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية)، ولمعرفة المزيد عن البرنامج السياسي للجبهة وأهدافها، أنظر كتاب ( أولئك إخواني / فليتسيا لانغر) منشورات صلاح الدين / صادر عام 1976.

وقد شنت السلطات الصهيونية حملة شرسة واسعة النطاق في الضفة الغربية، فأبعد الرفاق: عربي عواد، وجريس قواس ( أبو القاسم) وضمين عودة ( أبو القاهر ) وهم شيوعيون، وعددٌ من قادة الجبهة المشهورين، واعتقلت في سجونها ومعتقلاتها أكثر من (200) مناضل معظمهم شيوعيون وفي مقدمتهم الرفيق سليمان النجاب الذي أبعد بعد فترة، والذي كان قد كلفه الحزب بقيادة المنظمة العسكرية للحزب في الضفة الغربية، وخضر عبد الله عيسى نمر الذي اغتاله القتلة الصهاينة في سجن نابلس، وأحمد حسن دحدول ( من سلفيت) الذي قضى (12) عاماً في السجون الأردنية لأنه شيوعي، وقد قتل في السيارة العسكرية التي أقلته إلى مركز شرطة طولكرم ، واعتقلت كذلك حسني حداد من (بيت لحم) وعبد المجيد حمدان، وعطا الله رشماوي، وعادل البرغوثي، ومحمود شقير، والشاب زياد القزّا الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، وكسروا رجله اليمنى و يده اليمنى وأفقدوه البصر، وخلدون عبد الحق، وتيسير عاروري، ود.فرحان أبو ليل، ومحمود عباس عبد الحق، وغسان الخطيب، وأسماء كثيرة يصعب أن يحملها هذا المقال.

كما اعتقلت السلطات الصهيونية عدداً من رفاقنا في قطاع غزة كان في مقدمتهم: سمير هاشم البرقوني، وفضل البورنو، وطلعت جمال الصفدي، وسعيد غانم، ومفيد أبو رمضان، ومحمود نصر، ومحمد شعبان، وعبد اللطيف عبيد، بتهمة الانتماء لهذه الجبهة المعادية لإسرائيل الصهيونية، كما قاتل رفاقنا جنباً إلى جنب مع مقاتلي قوى منظمة التحرير الفلسطينية والقوات الوطنية اللبنانية ومن ضمنها الحزب الشيوعي اللبناني الذي شكل جبهة المقاومة اللبنانية التي واجهت العدوان قبل أية قوى أخرى. واستشهد عدد من رفاقنا في مواجهة الاعتداءات الصهيونية المتكررة على جنوب لبنان، وإبان الغزو الصهيوني للبنان واحتلال بيروت عام 1982، وفي مقدمتهم الرفيق المقدم في الجيش الفلسطيني حامد العبد الكحلوت احمد موسى الموسى و اكرم الياس حسين و صبحي عطا الرميض ووليد الدبدوب. كما اعتقلت القوات الصهيونية عدداً من رفاقنا في سجن( أنصار) ومنه إلى السجون الاسرائيلية في 21/6/1982. وعلى رأسهم الرفيق محمود محمد الرواغ عضو اللجنة المركزية في الحزب والملازم أول في الجيش الفلسطيني، واحد قادة (منظمة الشيوعيين في لبنان)، وايوب رجب غراب، وابراهيم أبو سردانة، ورزق الشولي، وحسن إزدحْمد، وغسان أيوب، وابراهيم النهيلي، وباسم الحاج، وأحمد غنيم، وكانوا مقاتلين أشداء، وفي داخل السجن أصدر هؤلاء الرفاق نشرة "سنعود" وكانوا يحتفلون بالأعياد الوطنية والأممية، وكان عدد المعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين (16) ألف مقاتل، وقد أفلت من الاعتقال عدد كبير من رفاقنا ورفيقاتنا من قادة وأعضاء (منظمة الشيوعيين الفلسطينيين في لبنان).

وحين انفجرت الانتفاضة الكبرى التي يطلق عليها البعض (الأولى) في 8/12/1987 حين حطمت قاطرة اسرائيلية عمداً سيارة كانت تقل ثمانية عمال وهم عائدون من العمل إلى قطاع غزة، فقتل ثلاثة منهم، وأصيب الآخرون بجراح بالغة، وهبّتْ جماهير مخيم جباليا ومدينة جباليا لاستقبال الجثامين لدفنها في مقبرة المخيم، وهرعت عشرات الالاف أثناء الجنازة لتشييع هؤلاء الشهداء إلى مثواهم الأخير، وفي مقدمة المشيعيين كان العشرات من رفاق حزبنا في المقدمة، وبعد التشييع هاجمت هذه الجماهير معسكر الجيش الموجود في وسط المخيم، فأصيب عدد من المواطنين، وفي الليلة ذاتها اجتمع عدد من قيادة الحزب في بيت الرفيق محمد الهبيل الكائن في حي الشيخ رضوان في غزة وهم، بسام الصالحي، وطلعت الصفدي، وعبد الله أبو العطا، وتوفيق المبحوح، وعايش عبيد، وسعيد غانم، ومصطفى الحمدني. وجرى صياغة بيان للشعب وُزّع في صباح 9/12/1987 بآلاف النسخ في جميع محافظات قطاع غزة، لمقاومة الاحتلال، وقد نشرته مجلة ( الطليعة الكويتية )، وقد كلف الحزب الرفيق توفيق المبحوح باللقاء مع قادة القوى الوطنية في قطاع غزة، وكان هذا الرفيق قد اتصل بهذه القوى قبل صدور هذا البيان لإصدار بيان مشترك، لكن هذه القوى تلكأت، وللتاريخ والحقيقية فقد شارك ( الجهاد الإسلامي ) في فعاليات الانتفاضة منذ أيامها الأولى مع رفاقنا في مواقع مختلفة، وقال مناضلو الجهاد الإسلامي، وخصوصاً ممثلها في لجان التنسيق المشتركة: "إننا تنظيم مسلح، ليس له تنظيمات جماهيرية مثلكم، ولكننا سنجند كل إمكانياتنا"، بينما امتنع (المجمع الإسلامي) الاخواني الذي انطلقت حماس من رحمه عن المشاركة في الانتفاضة، وقالوا للرفيق توفيق المبحوح: ( لا نشارك في انتفاضة شيوعية)، وحين استطاع رفاق حزبنا بالتعاون مع حركة (الجهاد الإسلامي ) وقوى م. ت .ف حشد الجماهير التي تصلي في الجوامع، وخروجها في تظاهرات حاشدة تندد بالاحتلال وتطالب بإندحاره، استدعى الحاكم العسكري الصهيوني في غزة إسماعيل القانوع وعامر قرموط وموسى محمود المطوق وهم من (المجمع الإسلامي) وقد ظن الحاكم أنهم وراء إخراج المصلين من الجوامع والتظاهر، فأكدوا له أنهم لم يفعلوا ذلك ولا يشاركون في انتفاضة شيوعية، وفي الوقت ذاته استدعى هذا الحاكم الرفاق : توفيق المبحوح وعبد الله أبو العطا وطلعت الصفدي ومصطفى البربار ومحمد الهبيل، وقال لهم : "أنتم الشيوعيون الذين حرضتهم الناس على التظاهر وصنعتم ما يسمى الانتفاضة، فماذا تريدون؟ " فقالوا له : "نريد أن ترحلوا من بلادنا" وأفرج عنهم لاحقاً وأخذ الحزب يشكل اللجان الشعبية في كل مكان في قطاع غزة، وركز على طلاب ومعلمي المدارس الإعدادية والثانوية الذين ساهموا بنشاط في التظاهرات الحاشدة.

وكما يقول الرفيق بسام الصالحي: " لقد تم إلزام كل أعضاء الحزب وكوادره وأصدقائه المشاركة المباشرة والشخصية في الانتفاضة، واستثمار كل المنابر لتحقيق ذلك، واستخدام كل الموارد المتاحة التنظيمية والإعلامية والفنية"، ولقد كنت شاهداً على التفاني والشجاعة الشخصية لهؤلاء المناضلين وانخراطهم الكلي في الكفاح الوطني، وشجاعة الرفيقات اللواتي كن يتنقلن لتوزيع منشورات الحزب في ظل حظر التجول وحواجز التفتيش المنتشرة في كل مكان ، كما كنت شاهداً على الحوار من أجل توحيد الجهد الوطني وتشكيل ( القيادة الفلسطينية الموحدة) بمشاركة جميع قوى منظمة التحرير الفلسطينية، بعد الاتفاق على طبيعة الانتفاضة، وأهدافها السياسية كما حملها البيان الصادر في 9/12/1988 ، حيث كان د.حيدر عبد الشافي من المشاركين في أخذ دوره القيادي الذي يستحقه في قيادتها الأولى.

وباختصار شديد، أود أن أوضح للسيد صلاح البردويل أن رفاقنا في قطاع غزة كانوا البادئين في تفجير هذه الانتفاضة الكبرى، ولا نقصد بذلك المزايدة على أحد، وإنما نريد أن نقرر حقيقة حدثت، وأن من واجبنا الوطني مواجهة الاحتلال الصهيوني والنضال من أجل دحره عن وطننا الحبيب.

كما تشكلت في الضفة الغربية ( القيادة الوطنية الموحدة) بعد انفجار الانتفاضة في قطاع غزة على شكل لجنة ثلاثية في البداية من فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية التي أصدرت ندائين، وكان النداء الثالث باسم القوى الأربعة ( فتح والحزب الشيوعي والجبهتين الشعبية والديمقراطية) كلجنة تنسيق، وقد توحد النضال الوطني الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتصاعدت أعمال المواجهة الشعبية مع القوات الصهيونية التي استخدمت كل أشكال القمع والبطش وتكسير العظام والاعتقالات بالجملة، والتعذيب الوحشي في أقبية المخابرات الصهيونية، وقد اعتقلت القوات الصهيونية منذ اندلاع الانتفاضة في 6/12/1987 ولغاية عام 1994، قرابة (210) آلاف فلسطيني (من تقرير وزارة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في 6/12/2008)، كما احصى التقرير عدد المعتقلين منذ عام 1967 وحتى تاريخ صدوره (750) ألف معتقل بمن فيهم أطفال صغار دون العاشرة وأقل من (18) سنة، وقد اعتُقل المئات من رفاق حزبنا في الضفة الغربية والقطاع، وأبعد (15) رفيقاً من الضفة و (10) من قطاع غزة، أي (25) رفيقاً، وافلت من الابعاد رفيق منهم.

لقد أشرت فيما سبق بإيجاز شديد جداً إلى نضالات وتضحيات الشيوعيين التي تحتاج إلى كتب عدة، دون مبالغة أو تزوير كما يفعل البعض.

نشأة الإخوان في فلسطين:

لقد نشأت حركة الإخوان في فلسطين عام (1943)، وبعد النكبة أيد الإخوان في الضفة الغربية  ضمها  قسراً إلى شرق الأردن، وأن حركة حماس قد ولدت من رحم (التجمع الاسلامي) في قطاع غزة، وأعلنت وجودها في 28/2/1988 حسب رسالتها إلى فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني، التي تنص على : " لقد قررت حركة الاخوان المسلمين في اجتماعها بتاريخ 28/2/1988 المشاركة في الانتفاضة تحت اسم حركة المقاومة الاسلامية (حماس)، وبذلك تكون (حماس ) هي ذراع الاخوان المسلمين في الانتفاضة"

وقد تسلم الرسالة الرفيق خلدون عبد الحق من احد قادة الاخوان المسلمين في نابلس حيث يقيم، وقام الرفيق بعرضها على المكتب السياسي للحزب، وحسب رأي الباحث عبد الغني سلامة الذي يقول في بحثه: " إن الاخوان عموماً مرّوا بعد النكبة ولغاية منتصف السبعينيات بمرحلة من الانعزال الجماهيري عن مسرح الأحداث السياسية والعسكرية في فلسطين" أي (33) سنة من الكمون والإنعزال، و(45) سنة حين انطلقت (حماس) وقررت المشاركة في الانتفاضة.

وأنا لم اسمع ولم اقرأ عن كفاح وجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين ضد الاستعمار (الانتداب) البريطاني على فلسطين وضد الصهيونية وعدوان عصاباتها على الشعب الفلسطيني منذ عام (1943) وحتى انطلاق حركة حماس، إلا إذا كانت هنالك مواجهات فردية، كما حدث في مشاركة عدد منهم فردياً في هبة مارس/آذار عام 1955 التي أسقطت مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة، وفي مقدمتهم الأستاذ فتحي البلعاوي، ومحمد يوسف النجار، وسليمان أبو كرش، وكان عددهم ستة أشخاص، انضموا إلى فتح، في حين اعتقل أكثر من (60) مناضلاً من الشيوعيين، في الوقت الذي رفض فيه الاخوان المشاركة مع الشيوعيين.

 

ولم يكن من قبيل الصدفة تشكيل (الجمعية الإسلامية ) عام  1976وعودة حركة الاخوان المسلمين للظهور الذي جاء متزامناً مع المحاولات الصهيونية لخلق بدائل من منظمة التحرير الفلسطينية، ودَعَمَها الصهاينة لتكون قوة موازية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقاسمة وقاصمة لنضال الشعب الفلسطيني الموّحد، تحت قيادة م.ت.ف، ولنتذكر ما قاله اسحق رابين.

وقد منح الصهاينة هذه الجمعية الكثير من التسهيلات والسفر إلى الخارج لجمع الأموال والمساعدات، ومنحها تسعة دونمات من الأرض لإقامة نادٍ عليها، وأعطاها رخصة لنشاطاتها المختلفة المعادية لمنظمة التحرير الفلسطينية والاشتباك مع أعضاء المنظمة ومناصريها بالجنازير والسكاكين والهراوات الغليظة، فقوى منظمة التحرير (كفرة) أما الاحتلال والصهيونية فهم (أهل كتاب) كما قال أحد قادتهم عندما احرقوا الهلال الأحمر الفلسطيني، وحاولوا اغتيال رئيسه د.حيدر عبد الشافي، وأصابوا  د . تيسير البرقوني بطعنه بالسكين في ظهره، عندما سألهم شاب لماذا تفعلون ذلك؟ لماذا لا تقاتلون العدو الصهيوني؟

وحين أعتُقل أحمد ياسين عام 1983، وجرى التحقيق معه حول السلاح الذي وجده الصهاينة في بيته، وقُدّم للمحاكمة التي بثها تلفزيون الاحتلال أجاب: "بأنه ليس لكم، وإنما هو للعلمانيين (الفلسطينيين)، وعندما سُئل عن قائمة الأسماء التي ضُبطت في بيته وعلى رأس هذه القائمة د.حيدر عبد الشافي وعدد من قيادات ومناضلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، أعترف بانها مُعّدة لاغتيالهم. هل تذكر ذلك يا صلاح البردويل؟؟!  

وفي الوقت الذي كانت فيه قوى منظمة التحرير الفلسطيني تصارع الاحتلال ومستوطنيه ونهبه للأرض، في انتفاضات وهبّات متلاحقة، ويقدمون الشهداء داخل الوطن أو في جنوب لبنان الذين كان الإخوان المسلمون يصفون هؤلاء الشهداء بـ (الفطايس)، كان الإخوان المسلمون يُصّدرون عناصرهم ليقاتلوا في أفغانستان، وحين اندلعت الانتفاضة الكبرى في 8/12/1987، كانت كوادر حزبنا مهيأة تنظيمياً وسياسياً للعب دورهم الطليعي بسبب قناعاتهم بأسلوب النضال الشعبي، وكانت حركة حماس لم تنشأ بعد، فقد كان الإخوان المسلمون يعملون في إطار ( المجمع الإسلامي ) وقد فوجئوا حتى الذهول باندلاع الانتفاضة، وحينما نشأت حركة حماس من رحم هذا التجمع في 28/2/1988، وأخذت تشارك في فعاليات الانتفاضة بأسلوبها الخاص الذي اعتمد القتل والتمثيل بالجثث، لاتهامهم بالعمالة، كما فعلت بمعلم في إحدى مدارس دير البلح حين سحلوه في ساحة المدرسة وقتلوه أمام طلابه الصغار. ونشاطاتها  الفردية دون التعاون مع القوى الأخرى، وقسموا الشعب والمناضلين بعد (82) يوماً من انطلاق الانتفاضة، فهي لا تؤمن بالعمل المشترك مع الآخرين ( الكفرة) وخصوصاً الشيوعيين، ونعلم جيداً أنهم يعتبرون الشيوعيين أعداء لهم، منذ قالها سيدهم ومرشدهم العام المؤسس حسن البنا الماسوني، حسب وصف كثير من المؤرخين.

وحين يُقدم الإخوان المسلمون في أي بلد من البلدان ولاءهم الأول والأساسي لتنظيمهم العالمي (الأممي) على حساب مصالح وأهداف شعوبهم في الحرية والاستقلال والتقدم، فهم بذلك يضعون أنفسهم في موقع اللاوطنية، فأما نحن الشيوعيين فإننا وطنيون وأمميون في الوقت ذاته، فالشيوعي الأممي هو وطني أولاً يناضل من اجل حرية وطنه واستقلاله وتقدمه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ونحن نقف مع حق الشعوب وقوى التحرر والديمقراطية والتقدم والسلام، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والعدوان عليها ودعم نضالها، كما نسعى الى مساندتنا ودعمنا من هذه الشعوب في نضالنا العادل.

ونحن الشيوعيين الفلسطينيين نؤمن بحرية العبادة وحرية العقائد، بحيث لا يعتدي احد معتنقيها على عقائد الآخرين، وندافع عن هذه الحرية، ونتصدى للمعتدين عليها.

وسنذكر هنا مثالاً واحداً من أمثلة عدة، لمواقف الشيوعيين ودفاعهم عن حرية العقيدة، فقد حدث أن البوليس الحربي الإسرائيلي قد قبض على الرفيق طلعت الصفدي، إبان الانتفاضة الكبرى، واقتادوه إلى معسكر أنصار في غزة، حيث مئات المناضلين المحتجزين، وفي هذا المعتقل قام بدوره التحريضي ضد الاحتلال، وضرورة دعم الانتفاضة والقيادة الوطنية الموحدة والدفاع عن م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وكانت هذه المعلومات عن نشاطه تصل إلى مسؤول هذا المعتقل، وبعد أيام عدة كان عدد من المعتقلين يؤدون الصلاة، وإذا بمجموعة من جنود الاحتلال تتوجه مباشرة إلى المصلين وتعتدي عليهم بالضرب المبرح ومنعهم من أداء صلاتهم، وأجبرتهم على العودة لخيامهم، وتفرق المصلون كل إلى خيمته، وعندما اقترب احد الجنود من الخيمة التي كان الرفيق "طلعت" يراقب منها ما يحدث رفع صوته واعترض على المعاملة السيئة للمعتقلين وضربهم ومنعهم من تأدية صلاتهم، وهذا مخالف للقوانين والأعراف الدولية واحتدت المناقشة بينهما وارتفع صوته عالياً مما أثار الانتباه في كافة الخيام، مما دفع الجنود إلى سحبه إلى زنزانة أخرى، وفي المساء ربطوا يديه بالسلاسل واقتادوه إلى التحقيق بعد أن تركوه في العراء مدة يومين في أجواء قاسية، واستمروا في ضربه وأخيراً وجهوا له تهمة التحريض داخل هذا المعتقل وتقديمه للمحاكمة التي أصدرت حكماً بسجنه عشرة شهور ونقلوه إلى معسكر النقب الصحراوي. 

وربما استمع البردويل أو قرأ ما قاله وما كتبه د. ثروت الخرباوي في كتابه "سر المعبد "، وآخرون كانوا في رأس الهرم الاخواني في مصر، وانشقوا عن الإخوان، وفضحوا نشأة الإخوان وإرهابهم وجرائمهم التي كانوا يقترفونها تحت ستار الدين في مصر، وتجددت في قطاع  غزة على يدي فرعهم فيه بعد انقلابهم الدموي، وقسم الشعب والوطن الفلسطيني، فيما يُلحق أضراراً لا تقدر بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وخدمة المخطط الأمريكي الصهيوني الإخواني الدولي وحلفائهم لإعادة ترتيب الشرق الأوسط الجديد، وذلك بتفكيك وتقسيم البلدان العربية، وخصوصاً مصر وسورية، وتدمير جيشيهما، كما فعلوا في العراق، وإقامة (الخلافة) الاخوانية الاردوغانية القطرية، وذلك على أساس طائفي وعرقي وديني ومذهبي، وحماس كانت ضمن هذا المخطط اللاوطني، الذي يهدف إلى إقامة إمارة اخوانية تتوسع بضم أجزاء واسعة من سيناء، وتصفية القضية الفلسطينية. هذا المخطط الجهنمي الذي أسقطه شعبنا عام 1955، مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء تحت شعارات: " لا توطين ولا اسكان يا عملاء الأمريكان .. العودة العودة حق الشعب"، وبانتصار ثورة الشعب المصري على إرهاب الاخوان وموافقة الشعب على الدستور الجديد، وبناء دولته على أسس عصرية، سيسقط المخطط الامريكي الصهيوني الاخواني، وذلك سيكون لصالح الشعب الفلسطيني، ووحدته وقضيته الوطنية في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً، فهل تعرف الآن يا سيد صلاح البردويل من هم عملاء الصهيونية والتابعون لها؟ وهل يرعوي الإخوان في قطاع غزة، ويعودون إلى رشدهم،  ــ إن كان لديهم بقايا رشد ــ

وأن يهرعوا لأحضان شعبهم وحركته الوطنية؟ أم أنهم سيظلون في غيهم يعمهون، مما سَيُعرض "شحمهم ولحمهم للذوبان  تحت لهيب  خطى وقع الملايين الغاضبة".؟؟