لماذا لا يرحل أردوغان أيضاً!!

تابعنا على:   00:41 2014-01-14

د. عاطف أبو سيف

لم يكن أردوغان، ولا حتى في أسوأ كوابيسه، يتخيل أنه قد يجد نفسه يواجه سؤال المستقبل الذي واجه رؤساء بعض الدول العربية، حين أشعل المواطن التونسي "بوعزيزي" نفسه. مع تفجر ما بات يعرف بالربيع العربي، كان أردوغان أحد أبطال المشهد الجديد، فالرجل الذي وجد أن الإسلاميين القريبين منه هم من سيحصدون ثمار الربيع العربي، شعر أنه اكبر المنتصرين من الاضطرابات في شوارع تونس والقاهرة وطرابلس ودمشق.

تصرف أردوغان مع الربيع العربي كما يتصرف مؤلف مع فكرة خاصة به. اعتقد أنه فعلاً كان من ألهم هذا الربيع العربي في تمدد وتضخم غير مقرون بالوقائع. وهو التضخم والتمدد نفسه الذي تصرفت به قطر وإن اختلف السياق وتباينت الغايات. لكن المؤكد أن أردوغان الذي أراد أن يجد نفسه أنموذجاً يحتذى به، وجد في صعود إخوته في الإسلام السياسي العربي عنصر مساعدة له في تصدير التجربة وفي البرهان على صوابية النهج.

لكن ما لم يدركه أردوغان أن هذه التجربة ستتصدع من الداخل وأن عنصر مقتلها هو فشلها الوظيفي، فهي لم تكن تجربة ناجحة بالمطلق، حيث إنها ارتكزت في الأساس على الفساد والمحسوبية وعلى سوء الإدارة، وابتعدت عن تقاليد الحكم الصالح. لم يكن "الباشا" باشا كما درج المثل، بل إن الباشا لم يكن إلا إنساناً عادياً يخطئ ويصيب. لكن الأنكى من ذلك أن النموذج كان يتجمل ويقدم نفسه بصورة ليست هي صورته الحقيقة. لم تكن تظاهرات ميدان تقسيم ولا الاضطرابات التي عمت إسطنبول إلا ترجمة لحالة الضيق من الحكم الذي يقدم نفسه بوصفه مطهراً منزهاً.

ملف حقوق الإنسان في تركيا أسود، وشهد حالات من التدهور شملت مؤخراً في مطلع هذا الشهر منع توزيع صحف المعارضة. كما ظهرت أزمة الفساد التي طالت وزراء في حكومة أردوغان ووصلت قيمتها 237 مليار دولار، لتدلل على أن الكلام يختلف عن الممارسة، وأن النموذج الأردوغاني لا يمكن له أن يكون موضع تقدير واحتذاء.

إن مراجعة ما قام به أردوغان في السنوات العشر الماضية من وجهة نظر عربية، تفند الكثير من المقولات حول حقيقة أن وجوده في الحكم هو مصلحة عربية. مع التذكير بالطبع أن ليس من حق أحد التقرير للشعب التركي، فهو من يختار من يقوده، ولكن من وجهة نظر عربية هل أردوغان الأفضل.

إذا كانت الأمور تقاس بخواتيمها، فإن أردوغان ساهم بشكل كبير في تدهور الأحوال العربية خاصة خلال حقبة الربيع العربي، فالتدخل التركي في زمن أردوغان في القضايا العربية كان في المحصلة ضد مصلحة العرب. لقد ارتكب أردوغان حماقة ضخمة بتدخله بالشأن السوري ومساهمته البشعة في تمزيق سورية، وبالتالي المساعدة على قتل المدنيين وتفتيت بنية الدولة. إن الجريمة ذاتها ارتكبت حين قصفت طائرات الناتو ليبيا. بالطبع لنؤكد جميعاً أننا مع سقوط الطغاة، لكننا لسنا مع تمزيق وتفتيت الدولة العربية وتأجيج النعرات الطائفية فيها سواء العرقية أو الدينية. وبذلك فإن أردوغان أساء لتركيا من حيث لا يحتسب، حيث إن تأجيج النعرات الطائفية في دول الجوار لن يكون بأي حال لصالح تركيا التي يوجد بها الكثير من الأقليات.

الأسوء من ذلك أن أردوغان ورط تركيا بأزمات ومشاكل وصراعات مع كل دول الجوار خاصة العربية منها، فهو على خلاف مع كبرى الدول العربية (مصر) بسبب إصراره على دعم موقف الإخوان المحظورين في مصر. حقيقة الأمر لا يوجد لأي دولة في العالم موقف أكثر تدخلاً في الشأن المصري من تركيا. فنظرية "تصفير الأزمات" التي نظّر لها وزير خارجية أردوغان احمد داود أوغلو، انهارت أمام طموح أردوغان التدخلي وحلمه بأن ينصب نفسه خليفة على العرب. فعلاقته متوترة في كل مكان حوله.

هل كانت علاقات أردوغان بإسرائيل سيئة. يمكن استجلاب مرمرة ودعم أردوغان لقطاع غزة للقول بنعم كبيرة. لكن في السياسة أكثر شيء يخدعك هو تلك الإجابات الكبيرة المفعمة بالعاطفة. فالعلاقات التركية الإسرائيلية على الصعيد العسكري لم تشهد الكثير من الفتور، بل إن تحسناً ملحوظاً يمكن تسجيله في السنتين الأخيرتين. أما الموقف التركي السياسي فإنه لم يكن براءة اختراع أردوغان، إذ أن الحكومات التركية منذ نهاية السبعينيات مثل بقية دول أوروبا بدأت بأخذ مواقف أكثر تفهماً للحقوق الوطنية الفلسطينية. كما أن الحكومة التركية كانت دوماً ومنذ النكبة مع حقوق الفلسطينيين وإن كانت تميز بين دعهما للشعب الفلسطيني وعلاقتها مع منظمة التحرير.

في المقابل فإن زعيم المعارضة التركية كمال كيليجدار أوغلو يقدم مقاربة مختلفة، مستنداً إلى تعلم أخطاء حزبه من الماضي. فهو مثلاً مخلص لتقاليد الجمهورية التركية التي تأسست على العلمانية وعدم استخدام الدين في السياسية. فهو قد اعترف قبل فترة بأنه ينحدر من سلالة النبي عليه السلام، لكنه لا يستخدم ذلك في خطاباته السياسية لأن الأساس أن الدين للعبادة والسياسة للحكم. كما أن موقفه من التدخل التركي في الشأن المصري والسوري حازم وكان مبكراً، وقبل أن تفيق الكثير من دول المنطقة من الصدمة.

فأذكر أنني سمعته يتحدث بمعارضته لأي تدخل في سورية في الأشهر الأولى للأزمة التركية. فالرجل لا يرى فائدة من تمزيق سورية ولا من إحداث قلاقل في مصر. إنه بعبارة أخرى ينظر بعين صائبة إلى وحدة حال الدولة العربية. وعليه فهو ضد وصول السلاح التركي للمعارضة السورية وضد موقف أردوغان المتصلب من الفريق السيسي.

أما بخصوص القضية الفلسطينية، فإن مواقف حزب الشعب الذي هو بالمناسبة زميل حركة فتح في الاشتراكية الدولية، لن تختلف عن المواقف التركية الحالية الداعمة للحقوق الفلسطينية. أذكر أن أوغلو قال لي حين عرف أنني فلسطيني في أحد المؤتمرات إنه كان في شبابه يشارك في التظاهرات المنددة بإسرائيل والمؤيدة للفلسطينيين. والتقط معي صورة وضعها على صفحة الحزب على الفيس بوك تقديراً منه لغزة.

ما اقترحه أن أردوغان ليس أفضل الموجود، وأن المصالح العربية لن تتضرر إذا رحل. ومن يعرف فإن حلقة الربيع العربي الأخيرة قد لا تكتمل إلا برحيل احد أشد المتحمسين له والمستفيدين منه، وأن ثمة تركيا أخرى في الطريق.