لماذا تراجع ترومان عن تأييد التقسيم؟

تابعنا على:   11:19 2016-01-30

عوني فرسخ

كانت حكومة الانتداب البريطاني قد جردت عرب فلسطين من السلاح تماماً، لدرجة أنه عندما صدر قرار التقسيم لم يكن في القدس بندقية واحدة، كما ذكر بهجت أبو غربية. وبعد وساطات مع «اللجنة السياسية» لجامعة الدول العربية وقبول اشتراطاتها نجحت «الهيئة العربية العليا» لفلسطين بتشكيل «الجهاد المقدس» بقيادة عبد القادر الحسيني، وبشرط عدم تجاوز نشاطه منطقة القدس، ولكن نشاط الجهاد سرعان ما شمل عموم فلسطين. ولقد جاء تشكيل «الجهاد المقدس» خروجاً على توجيهات بريطانيا بعدم تنظيم وتسليح الفلسطينيين تحسباً من تعطيلهم مخططاتها في المشرق العربي. كما جاء تحدياً لإعلام بعض الأنظمة العربية والمخابرات البريطانية، الذي نشط في دعوة شعب فلسطين للركون لجيوش الأنظمة العربية. ولم يجاوز منتسبو «الجهاد المقدس» السبعة آلاف، محدودي التدريب والتسليح، يؤازرهم نحو عشرة آلاف متطوع من النجدات المحلية.
فيما كان للوكالة اليهودية زمن الانتداب، وبدعم بريطاني، ستون ألف مجند، بينهم عشرون ألف فتاة، جيدو التسليح والتدريب وصناعة سلاح متطورة. وكان ابن غوريون قد حدد الأهداف الاستراتيجية، غداة صدور قرار التقسيم، في تأمين احتلال الأجزاء المخصصة للدولة اليهودية، وتأكيد السيطرة على الطرق والمناطق القريبة والموازية لحدود الدول العربية، والعمل بكل الوسائل لدفع أكبر عدد ممكن من العرب لهجرة مدنهم وقراهم ومزارعهم ومتاجرهم. وخاطب قادة الهاغاناة قائلاً: «لاحظوا أن خطوط التقسيم هي البداية وليست النهاية». وقبيل 15-5-1948 استجلبت الوكالة اليهودية نحو عشرين ألف أوروبي بين ضباط وخبراء دبابات ومدفعية ولاسلكي، وطيارين وخبراء في الخدمات الجوية وصناعة السلاح.
وبرغم الخلل الفادح لصالح الصهاينة في العدد والعتاد ومستوى التدريب واستعدادهم المسبق، وانحياز القوات البريطانية الواضح لهم. برغم ذلك كله نجح «الجهاد المقدس» في الاشتباكات التي توالت في مناطق تماس الأحياء المتجاورة والمتقابلة في المدن المختلطة، خاصة في القدس، وبين يافا وتل أبيب، وفي التعرض للمواصلات على الطرق. كما في الرد على عمليات النسف التي بادر إليها الصهاينة، في القدس وحيفا ويافا وأوقعت مئات الشهداء والجرحى. إذ تمكن مناضلو «الجهاد المقدس» من تنفيذ عدة تفجيرات أبرزها نسف مكاتب صحيفة «بالستاين بوست» الناطقة بلسان الوكالة اليهودية، وشارع بن يهودا حيث دار الهستدروت، وقيام انطوان داود، سائق سيارة القنصل الأمريكي بالقدس باستخدام سيارة القنصل في نسف مبنى الوكالة اليهودية في شارع الملك جورج فدمر الجناح الشرقي. وبنجاح تلك العمليات استعاد الجمهور العربي تفاؤله وتضاعفت ثقته بالجهاد المقدس.
ولقد ظل زمام المبادرة الاستراتيجية في فلسطين عموماً، ومنطقة القدس خصوصاً، حتى مطلع إبريل / نيسان 1948 بيد «الجهاد المقدس» الذي فرض حصاراً شديداً على القدس الغربية، حيث كان يقيم نحو سدس التجمع الصهيوني. ولقد كان الوضع مقلقاً لابن غوريون، الذي لم يكن يرى أن «قوات الدفاع» فاعلة، فعزل المسؤول عنها الكولونيل دافيد شلتيئيل، وعين موشيه دايان مكانه. وفي 1-4-1948 قدم يغال يادين، رئيس هيئة أركان القوات الصهيونية تقريراً لابن غوريون تضمن قوله: «يجب أن نذكر أن كل مراحل المعركة حتى الآن أملاها علينا العدو، ولم نتمكن حتى الآن من التأثير في المجرى الاستراتيجي للعمليات التي تطورت من أحداث إلى حرب بين قوتين شبه نظاميتين. والحل الوحيد هو اتخاذ المبادرة العملياتية بأيدينا متطلعين إلى إحراز حسم عسكري ضد العدو».
وكان من نتاج صمود وأداء القوات الشعبية الفلسطينية غير المتوقعين، وتقرير رئيس لجنة التقسيم بأنه من المستحيل تنفيذ قرار التقسيم من دون استخدام قوة لا تملكها الأمم المتحدة إذ أبدت كل من كندا وبلجيكا، ثم الولايات المتحدة تراجعاً عن تأييد قرار التقسيم. وفي 24-2-1948 قال المندوب الأمريكي في مجلس الأمن «إن الولايات المتحدة لا ترى أنه يجب استخدام القوة لدعم توصية الجمعية العامة، وإن قرار تقسيم فلسطين لا يبدو خياراً قابلاً للحياة». ودون مبالاة بالهجمة الصهيونية والاتهام بمعاداة السامية، خاطب مجلس الأمن في 19-3-1948 مطالبا بوضع فلسطين تحت الوصاية المؤقتة لمجلس الوصاية، وأن على مجلس الأمن دعوة الجمعية العامة لدورة استثنائية لإعطاء لجنة فلسطين أمراً بوقف جهودها لتطبيق مشروع التقسيم. وفي 25-3-1948 ألقى الرئيس ترومان خطاباً أيد فيه ما قاله المندوب الأمريكي في مجلس الأمن، وأبدى استعداد إدارته تحمل مسؤولية تطبيق الوصاية. غير أن مشروع الوصاية عارضه المندوبان السوفييتي والأوكراني في مجلس الأمن بحجة أنه لمصلحة العرب، ويعرض مصالح اليهود للخطر. ويعيد الأستاذ هيكل تراجع الإدارة الأمريكية عن التقسيم وتوجهها لموقف آخر إلى المقاومة الباسلة التي قام بها عرب فلسطين دفاعاً عن بلادهم.
ولحسم معركة القدس ذهب عبد القادر الحسيني إلى دمشق، وقدم إلى «اللجنة العسكرية» لجامعة الدول العربية تقريراً حول الأوضاع في منطقة القدس، موضحاً حاجة «الجهاد المقدس» الماسة للسلاح للحفاظ على الهيبة التي حققها خاصة في منطقة القدس، والاستيلاء على مصانع البوتاس على شاطىء البحر الميت. كما طالب بالسلاح الذي كان «مكتب فلسطين» الدائم في بيروت قد اشتراه لمصلحة «الجهاد المقدس» واستولت عليه «اللجنة السياسية». كما طالب بإعطائه بعض المدافع التي لدى جيش الإنقاذ، واعداً أن يصفي المستعمرات المحيطة بالقدس قبل 15 مايو / أيار إذا استلمها. وأمام رفض اللجنة اقترح أن تتحرك مدفعية القاوقجي إلى القسطل لمساعدة قوات «الجهاد المقدس» في استرجاعها. وعندما رفضت اللجنة طلبه الأخير، خاطب المفتش العام للجنة العسكرية الفريق طه الهاشمي قائلاً بعصبية: «أعطني ما طلبت وأنا كفيل بالنصر» فرد الهاشمي: «شنو عبد القادر ماكو مدافع»، وقال وزير الدفاع السوري أحمد الشرباتي: «إذا احتل اليهود القدس سنأتي لنخرجهم منها وندفنهم فيها» فقذف عبد القادر الخرائط التي جاء بها في وجهي الهاشمي والشرباتي صائحاً: أنتم مجرمون وسيسجل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين. وغادر الاجتماع إلى القدس، ومنها إلى القسطل ليقود معركة استردادها وليستشهد على ترابها في 8-4-1948.
وفي حدود إمكانات «الجهاد المقدس»، وما واجهه من ضغوط، يمكن القول إنه كان صفحة مشرقة في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني، كما في الصراع العربي - الصهيوني. إلا أن هذه الصفحة المشرقة لم تنل حقها في التاريخ لمجريات حرب 1948 رغم أنها من أبرز الصفحات المشرقة القليلة في تلك الحرب بسبب الإعلام المضاد الذي شوه صورة شعب فلسطين وقواه الوطنية للتغطية على قصور وتقصير من احتكروا القرار العربي حينها وكانوا من أبرز عوامل النكبة.
عن الخليج الاماراتية

اخر الأخبار