الفساد وجهات نظر!

تابعنا على:   10:57 2016-01-30

د. هالة مصطفى

ألقت الأزمة الأخيرة التى أثارها رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات المستشار هشام جنينة حول حجم الفساد فى مصر وصدور تقرير مضاد له من قبل لجنة تقصى الحقائق التى شُكلت على هذه الخلفية وما صاحبهما من نقاش عام صاخب, بظلالها على واحدة من أهم وربما أخطر القضايا التى تشكل تحديا رئيسيا للدولة والمجتمع معا, وهى قضية الفساد. وليس الهدف هنا الدخول فى تفاصيل تلك الأزمة, التى تم حظر النشر فيها بقرار من النائب العام, وإنما التوقف عند بعض القضايا العامة والملاحظات الأساسية حول هذا الموضوع المتجاوز للأشخاص أى موضوع الفساد.

إن هذا الملف تحديدا, والذى لا تكاد تخلو منه أى دولة من الدول, يُعد من أكثر الملفات الشائكة شديدة الحساسية نظرا لاتساع وتشعب تعريفاته والزوايا التى يتم تناوله من خلالها, فهناك فساد سياسى, يُقاس بمدى عقلانية السياسات العامة وتفضيلاتها واختياراتها فى توزيع وتوظيف الموارد والطاقات البشرية ضمانا لعدم إهدارها تحقيقاً للصالح العام, وبعدم هيمنة السلطة التنفيذية على ما عداها من السلطات, وبضمان وحماية الحريات المدنية خاصة فى مجال الصحافة والاعلام والتعبيرعن الرأى عموما, وكذلك بعدم التدخل فى الانتخابات. وفساد إدارى, يختص بالجهاز البيروقراطى للدولة ودرجة خضوعه للضوابط والأدوات الرقابية. وفساد اقتصادى, قد يتعلق بالقطاع العام أوالخاص أوبكليهما معا بحيث تنشأ شبكة معقدة من تبادل المصالح والمنافع. وفساد قانونى, حال تضارب القوانين وتناقضها سواء فيما بينها أو بينها وبين مواد الدستور وكذلك عدم تطبيق القانون أوالانتقائيه فى تنفيذه. ونوع آخر من الفساد يرتبط بكيفية إدارة الأموال والصناديق الخاصة إذا ما كانت هناك قروض أومساعدات أوهبات خارجية.

لهذه الأسباب ولتنوع أنماط الفساد فلم يعد يقتصر على منطقة أو دول بعينها إذ يشمل الدول النامية والمتقدمة أيضاً. فأمريكا على سبيل المثال وهى أكبر الدول الرأسمالية وأكثرها تقدما تعرف أنواعا من الفساد بعضها يتعلق بالصفقات الخارجية لشركاتها العملاقة واستخدامها أحيانا لوسائل غير مشروعة كالرشاوى لتمريرها والفوز بها, وأخرى بأساليب تمويل حملاتها الانتخابية التى تسيطر عليها جماعات الضغط والدوائر شديدة الثراء. ونفس الشىء يحدث فى أوروبا, بل وفى كبريات الدول منها كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا, وهناك العديد من قضايا الفساد التى طالت أرفع المسئولين الحكوميين كرئيس الوزراء الايطالى السابق برلسكونى أوحتى ساركوزى رئيس الجمهورية الفرنسى السابق اللذين خضعا بالفعل للمساءلات القانونية والقضائية. ومن ناحية أخرى, فقد اقترنت كثير من التجارب التنموية الناجحة -كحالة النمور الآسيوية - باستشراء الفساد المالى والادارى والسياسى فى مراحلها الأولى, ونموذج سنغافورة هو مثال واضح فى هذا السياق حيث صُنفت فى الستينيات كواحدة من أسوأ الدول فسادا قبل أن تحتل اليوم مركزا متقدماً بين الدول الأقل فساداً وتُصبح من أهم المراكز المالية والاقتصادية فى العالم. وعادة ما يزداد الفساد فى المراحل الانتقالية التى تمر بها العديد من الدول، كالانتقال من الاشتراكية إلى السوق الحر أومن الديكتاتورية إلى الديمقراطية وهو ما شهدته روسيا فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتى ومعها معظم إن لم يكن كل دول أوروبا الشرقية التى كانت خاضعه له, وهو ما ينطبق أيضا على دول أمريكا اللاتينية وعلى الدول الشرق أوسطية والعربية.

لذلك فإن عمل المنظمات الدولية المنوط بها مراقبة أوتقييم الفساد فى العالم كمنظمة الشفافية العالمية تعتمد معيار «الأقل» أو «الأكثر» فساداً, إقرارا بوجوده تقريبا فى كافة الدول. ولكن لا يعنى هذا أن يتساوى الجميع فيظل هناك فارق جوهرى بين الدول المتقدمة مقارنة بغيرها فى النسبة والدرجة والمساحة التى يحتلها الفساد سواء على المستوى الرسمى أوما دونه, فضلا عن أسلوب مواجهته أولا بأول وبأدوات قانونية رادعة على قاعدة من المساواه لا تميز بين مسئول مهما علا قدره أومواطن عادى, مثلما تكون وسائل إعلامها الداخلية هى الأسبق فى الكشف عنه. إذن القياس هنا مع الفارق, ولكن يبقى المعنى المهم المستخلص فى هذا الاطارمرتبطاً بقدرة الدول وشجاعتها فى الاعتراف بالفساد كخطوة أولى ضرورية للتصدى له.

والسؤال هو لماذا بدأت هذه القضية تحظى بهذا الاهتمام الفائق فى الدول النامية وتشغل حيزاً كبيراً من النقاش العام؟ الإجابة ببساطة هو تعرضها لكثير من الاضطرابات وتعثرها فى مشاريعها التنموية بحيث تعجز عن تحقيق درجة الرضاء الاجتماعى لمواطنيها وهو الشرط اللازم للاستقرار السياسى, فضلاً عن تضمين أغلب الجهات المانحة للقروض (مثل البنك وصندوق النقد الدوليين) أوتلك التى تقدم المساعدات والمنح أو الاستثمارات, لشرط مكافحة الفساد بعد تحديد نسبته لاستمرارها فى تقديم الدعم لأى من تلك الدول, وربما هذ ما يفسر جانب كبير من الجدل الذى شهدته الساحة المصرية حول تقديرحجم الفساد. وتجدر الإشارة هنا إلى عدد من الملاحظات, أولاً, إن قياس درجة الفساد لا تُختزل فى مجرد أرقام يُختلف عليها, فقد تصح أو تخطئ أو يتم التهويل أوالتهوين منها, لأنها فى النهاية لن تُؤخذ الا كمؤشر على وجود فساد مؤكد. ثانياً, إن معظم تلك الجهات الدولية لا تعتمد فقط على التقارير والأجهزة الرقابية المحلية، وإنما تكون لديها قنواتها ومقاييسها الخاصة التى تُقيم من خلالها حالة الفساد فى الدولة المعنية من منظور كلى يأخذ فى الاعتبار كافة الجوانب أو الأنماط المشار اليها سابقا بما يتجاوز التقارير الفنية أوالمالية. ثالثاً, إن أكثر ما نعانى منه فى مثل هذه القضية الشائكة المتعلقة بمواجهة الفساد هو غياب المعايير الواضحة التى يمكن التوافق عليها لقياسه، سواء طبقنا المعايير الدولية أو كانت لنا قواعد خاصة ولكن موحدة , لأن أحد الأسباب الرئيسية التى أدت إلى أزمة «الأرقام» ارتبطت بهذا العامل تحديداً, الذى تسبب فى كثير من الخلافات وأدى تلقائياً إلى الانقسام حول النتائج.

باختصار, بدون هذه المعايير سنكون إزاء آراء ذاتية ويُصبح تقدير حجم الفساد وطرق مواجهته مجرد وجهات نظر!

عن الاهرام