أربعة أخطاء شائعة عن واشنطن

تابعنا على:   08:54 2014-01-05

ياسر عبدالعزيز

منذ اندلاع ما عُرف بـ"ثورات الربيع العربي"، كانت سياسات الولايات المتحدة الأميركية ومواقفها حيال الدول التي شهدت تلك التغيرات والانتفاضات محل بحث وتحليل دقيقين.
لقد زرت جميع الدول التي شهدت تلك التغيرات الحادة، باستثناء سورية، التي أمكنني التعرف إلى أحوالها من خلال اللقاءات المطولة مع كل أطراف الصراع الدائر فيها، سواء في تركيا أو الأردن أو لبنان وغيرها من البلدان التي استقبلت السوريين الفارين من الأحداث المريعة والحرب الطاحنة داخل حدود وطنهم.
وقد كان من الواضح أن الولايات المتحدة تلعب دوراً محورياً في كل دول التغيير العربية، وربما كانت في بعض الأحيان صاحبة الدور الأكبر الذي يحدد مسار التحولات وطبيعة السياسات.
سيمكن تفهم الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى لعب تلك الأدوار الضخمة والمركبة، وسيمكن أيضاً تفهم الأسباب التي تدفع الدول العربية والقوى السياسية فيها إلى التعامل مع مثل تلك الأدوار، لكن هذا التفهم لا يعني بالطبع قبول تلك الأدوار، أو تنزيهها عن الخطل والمقاصد السيئة ومعاندة المصالح الوطنية.
تلعب واشنطن تلك الأدوار، وتتشكل صورتها لدى المتلقين، وهو الأمر الذي حرصت على رصده وتحليله في إطار استعراض مفاهيم القوى السياسية في دول التغيير العربي حيال الولايات المتحدة.
لقد لاحظت مثلاً أن هناك عدداً من الأفكار المتشابهة لدى قطاع من الناشطين والثائرين والمثقفين في دول التغيير العربي عن سلوك الولايات المتحدة ومواقفها حيال المنطقة، وهي أفكار في حاجة إلى مراجعة وفحص متأن.
أولاً: يظن كثيرون من أعضاء الحركات السياسية ذات الإسناد الديني وبعض أطياف الجمهور، خصوصاً الأقل حظاً في استحقاقات التنمية البشرية، أن الولايات المتحدة تناهض قوى الإسلام السياسي، وتعمل على عرقلة وصولها إلى الحكم في الدول العربية، وتتآمر ضدها، لأنها "تخاف من أن يحكم الإسلام، فينهض المسلمون، ويطيحون بها من قمة النظام العالمي".
والواقع أن واشنطن لم تظهر أي معارضة من أي نوع لأي من فصائل الإسلام السياسي التي استفادت من التغييرات السياسية الحادة في بلدان ما عُرف بـ"الربيع العربي"، بل هي أظهرت قدراً كبيراً من الدعم والمساندة والتعاون مع تلك الفصائل خصوصاً حينما وصلت إلى الحكم.
لقد ساعدت واشنطن "الإخوان المسلمين" في مصر وتونس مساعدة واضحة، وأظهرت دعماً كبيراً لهم، بل ضغطت على القوات المسلحة المصرية من أجل تسهيل نقل السلطة إلى "الإخوان".
وفي اليمن وسورية دعمت الولايات المتحدة الإسلاميين بوضوح، وهي إن كانت أدانت وشجبت علناً أعمال "القاعدة" أو "جبهة النصرة" أو "داعش" في كلا البلدين، فإنها نسقت ودعمت وتفاهمت مع قوى إسلامية أخرى. وحينما سقط "إخوان" مصر، بعد عام أمضوه في الحكم أظهر عجزهم وفشلهم وأشعل ثورة شعبية ضدهم، لم يجدوا نصيراً يستنجدون به أفضل من واشنطن، التي سارعت بإرسال الوفود في محاولة لإنقاذ حكمهم، أو إعادة تمركزهم في الأوضاع السياسية الجديدة.
ثانياً: يسود انطباع بين أطراف عديدة في دول التغيير العربي مفاده أن واشنطن تناصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأنها تتدخل في هذا البلد أو ذاك دعماً لتلك المبادئ وصيانة لها. إن هذا الانطباع خاطئ بكل تأكيد، وإلا لناصرت واشنطن تلك المبادئ في بعض دول المنطقة التي تتجاهلها تماماً وترتبط بشراكات وتحالفات استراتيجية معها لأنها تحقق لها مصالح مهمة.
إن واشنطن انتفضت ضد ما قالت إنه "استخدام بشار الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبه"، لكنها لم تفعل الأمر نفسه مثلاً مع صدام حسين حين استخدم الأسلحة نفسها ضد شعبه في المناطق الكردية. بل إن واشنطن نفسها سبق أن استخدمت القنبلة الذرية ضد اليابانيين، كما اتهمت باستخدام أسلحة محرمة في العراق وأفغانستان.
ثالثاً: يتصور كثير من الناشطين والسياسيين العرب أن واشنطن تمارس السياسة بفهم واحتراف ودقة وكفاءة منقطعة النظير، وأنه من المستحيل أن تخفق سياسة من السياسات الأميركية أو أن ترتكب واشنطن الأخطاء الكبرى.
إن هذا الأمر ليس سوى خطأ كبير في حد ذاته، وتزيد خطورة هذا التصور لأن أصحابه يعتقدون أن كل ما يقع في إطار الدول العربية الحيوي إنما يعكس "تخطيطاً أميركياً محكماً"، وبالتالي فإن قوة أميركا تتضخم في رؤوس هؤلاء، ومهاراتها تتضاعف، وهزيمة إرادتها تصبح مستحيلة.
إن واشنطن ترتكب الأخطاء بالطبع، وسياساتها تخفق في أحيان كثيرة، وكثيراً ما تفشل في تحقيق إرادتها أمام دول أو تجمعات أو قوى سياسية صغيرة، لقد أخفقت واشنطن إخفاقاً ذريعاً في إيران منذ اندلاع ثورتها في 1979، كما أخفقت في العراق وأفغانستان، وكانت قد أخفقت إخفاقاً مريعاً في فيتنام، حيث تلقت هزيمة مذلة هناك. وها هي الآن تخفق في مصر إخفاقاً مريراً بعدما راهنت على "الإخوان المسلمين" واستثمرت فيهم كثيراً، قبل أن يضيع استثمارها هباء.
رابعاً: يسود انطباع بين محللين وسياسيين عرب كثيرين بأن الإدارة الأميركية "كل متماسك"، وأنها تعمل بتنسيق كامل بين كل أعضائها، ولا يمكن أن ينشأ تضارب في أي سياسة من السياسات التي تعتمدها، أو أن يقع خلاف بين رموز الإدارة حول موقف أو سياسة.
إن هذا الانطباع خاطئ بكل تأكيد، وعلى من يعتقد فيه أن يقرأ كل المذكرات التي كتبها رجال عملوا في الإدارات الأميركية المتعاقبة، حيث سيجد أن كثيراً من السياسات الداخلية والخارجية كانت محل جدل أو خلاف أو صراع بين قوى مختلفة في الإدارات الأميركية المتعاقبة.
هناك عدد كبير من الأجهزة والوكالات والوزارات والمواقع الحيوية في الدولة الاتحادية الأميركية، ولكل منها توجه ونسق عمل وسياسة وأهداف ورؤى، وفي بعض الأحيان تتصادم تلك الرؤى، أو تنطلق السياسات الناجمة عنها من دون التنسيق اللازم.
ستظل الولايات المتحدة تلعب دوراً مؤثراً، وربما محوريا، في كل ما يحدث في بلدان "التغيير العربي" من تطورات مهمة، لفترة ليست قصيرة. وستزيد قدرة واشنطن على التأثير في مجرى الأحداث والسياسات في تلك البلدان طرداً كلما زادت التحديات وتفاقمت المشكلات وتراجعت قدرة الإطار السياسي الوطني على اتخاذ القرارات السليمة وتفعيلها في الوقت المناسب.
سيكون من الصعب جداً وصف الأدوار الأميركية بأنها "إيجابية" في معظم الأوقات، خصوصاً أن ثمة ما يرجح أن قرارات أو مواقف اتخذتها واشنطن تسببت في أضرار بالغة للمصالح الوطنية لعدد من دول "التغيير العربي". كما سيكون من الصعب أيضاً وصف تلك الأدوار كلها بـ"السلبية"، خاصة أن من بينها أدواراً تتعلق بتقديم مساعدات أحياناً أو إدانة أعمال إرهابية في أحيان أخرى.
أفضل ما يمكن فعله في هذا الصدد سيكون تعزيز الإرادة الوطنية في الدولة العربية من جهة، وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي من القوى السياسية والثورية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي سيقلل إلى أقصى درجة من التأثيرات السلبية للسلوك الأميركي إزاء بلدان التغيير العربي.
إن تطوير العلاقات الدولية لدول التغيير العربي وتعزيز التفاهم مع قوى دولية أخرى نافذة في العالم يمكن أن يحد من الآثار السلبية للسلوك الأميركي المثير للجدل إزاء المنطقة.
لكن أهم ما يجب اتخاذه من خطوات في هذا الصدد يكمن في ضرورة تصحيح المفاهيم والقناعات الراسخة الخاطئة بخصوص الولايات المتحدة، وهي عملية تستلزم إزالة أربعة أخطاء شائعة من العقل السياسي العربي على الأقل.
يجب أن يدرك هذا العقل أن واشنطن لا تعاند قوى الإسلام السياسي ولا تقف في طريقها، طالما أنها تحقق لها إرادتها ولا تتصادم معها، وأنها لا تناصر حقوق الإنسان والديمقراطية، إلا إذا كانت في حاجة إلى الضغط على طرف أو حكومة أو فئة ما، وأن إداراتها لا تعمل كفريق واحد متناسق ومتناغم في كل الأوقات.
وأخيراً فإن سياسات واشنطن لا تنجح في كل الأحوال، وإرادتها يمكن أن تُهزم في كثير من الأحيان.

عن الجريدة الكويتية